أزمة أسعار النفط التي عصفت بدول مجلس التعاون الخليجي لم تبدأ مع انخفاض أسعاره كما قد يظن البعض؛ لكنها ارتبطت بالارتفاع غير الطبيعي في تلك الأسعار والتي وصلت إلى 140 دولارا للبرميل الواحد عام 2007 م!
أسعار النفط لا تحكمها المعايير الأخلاقية للعرض والطلب وإنما تتحكم فيها سطوة الرأس مالية الأمريكية التي لديها استعداد لحرق العالم كله في سبيل مصالح أساطينها، وما الغزو البربري للعراق والذي حطم كيان الدولة العراقية وآثاره الماثلة بيننا اليوم إلا أحد أمثلة الانتهازية الرأس مالية الأمريكية، وقبل غزو العراق بأربع سنوات هوت أسعار النفط إلى سبع دولارات للبرميل وبلغت الأزمة ببعض دول مجلس التعاون إلى حد أن طالب أحد شيوخها مواطنيه بما سماه شد الحزام؛ طبعا شد الحزام على وسط المواطنين البسطاء فقط!
وقتها قال المدير التنفيذي لشركة شيفرون النفطية الأمريكية إنه مستعد لجعل سعر برميل النفط أقل من سعر صندوق الطماطم ما لم تستجب دول الخليج لشروطه بالسماح للشريك الأجنبي بالتملك في القطاع النفطي، فجاب مدير شيفرون المنطقة وأخذ من شيوخها ما أراد، وبالتوازي مع ذلك خضع ساسة المنطقة للإملاءات الأمريكية وفتحوا أجواءهم وأراضيهم للقوات الأمريكية التي غزت العراق رغم أن ذلك التوجه الأمريكي كان خلاف قناعاتهم التي مارسوها في قمة بيروت العربية عام 2002 م!
احتل الأمريكان العراق وسيطروا على نفطه بعدما حققته شركاتهم من نجاحات في ضغوطها التي مارستها على حكومات المنطقة فانطلقت أسعار النفط كالسهم خلال مدة وجيزة فحدث الارتفاع الذي ارتفعت على إثره أسعار المواد الاستهلاكية الضرورية منها والكمالية وعمدت حكومات المنطقة إلى رفع رواتب مواطنيها كل على طريقتها ومع ذلك فقد اتسعت الهوة بين الطبقة الثرية من تجار وشيوخ وباقي مكونات الشعب مما ينذر بانهيار الطبقة الوسطى التي هي صمام أمان كل المجتمعات!
توالت الأحداث بعد ذلك وفق السياق المعلوم لدينا جميعا ورافق ذلك تغيرات سياسية وانبعاث للحرب الباردة عزا الساسة الأمريكان حدوثه لاستقواء الروس بما حققوه من إيرادات بيع النفط وهذا غباء مستحكم من الأمريكان فالمسألة مرتبطة بطموحات بوتين وخطته الاستراتيجية من ناحية؛ ومن ناحية أخرى بتخبط السياسات الأمريكية واغترارها بأحادية القطب منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق!
اليوم تضغط أمريكا على دول مجلس التعاون الخليجي وتجبرها على انتهاج سياسات تؤدي إلى انهيار أسعار النفط وترافق ذلك مع حربها المزعومة على الإرهاب والتي تكلف دول المنطقة سياسيا واقتصاديا، وزاد انهيار البورصات الخليجية الطين بلة ليضع المنظومة السياسية الخليجية أمام أخطر تحدٍ في تاريخها!
بعد وقف إطلاق النار بين العراق وإيران عام 1988 م تصرفت دول الخليج العربية بطريقة مشابهة وفق الإملاءات الأمريكية؛ فكانت النتيجة هي الغزو العراقي للكويت عام 1990 وما استتبعه من ويلات ودمار ليس على الكويت كطرف متضرر مباشر فحسب بل على كل دول مجلس التعاون الخليجي وأولها السعودية التي كانت خسارتها السياسية والاقتصادية استراتيجيا أكبر حتى من خسارة الكويت!
اليوم يتحدث الرئيس الإيراني حسن روحاني بنفس لغة صدام حسين التي سبقت غزو الكويت، لكن روحاني يتحدث كرئيس دولة لها مشروع سياسي وأصابع تتحرك بطول المنطقة وعرضها وقد أعدت إيران لمثل هذه الظروف عدتها، فأمريكا لن تنفع دول الخليج العربية إن تحركت إيران بردة فعل محتملة إزاء انعكاسات انهيار أسعار البترول عليها؛ بل إن أمريكا الآن تتفاوض مع إيران وليس مع دول الخليج، فهل وضعت أمريكا مع إيران خطة التغيير في منطقة الخليج وتفصيلها على المقاس الإيراني؟
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق