الخميس، 15 يوليو 2021

الطلاق العاطفي أخطر من الطلاق الرسمي !

        دائما ما نلجأ إلى تهذيب المصطلحات حفاظا على الذوق العام ، فمسمى الطلاق العاطفي بين الأزواج وزوجاتهم رغم وجود طرفَي العلاقة تحت سقف واحد وبقاء هيكل الأسرة متماسكا في الظاهر هو في الحقيقة يرمز للتباعد الجنسي بحيث أن لكل من الزوجين مكان بياته الخاص به ، ففي بعض الحالات يمكن حدوث العلاقة الجنسية حسب الطلب أو وفق التخطيط للحمل وفي أكثر الحالات لا يحصل الالتقاء أصلا ، لكن النهاية المحتومة لكل الحالات هي انتفاء العلاقة الجنسية وكل ما تفضي إِلَيه من انسجام عاطفي مُفْتَرَض في وقت مبكر جدا !

 

        فما الَّذي يتسبب يا تُرى بحدوث هذه المشكلة شبه المسكوت عنها والتي تنتشر اليوم في المجتمع انتشار النار في الهشيم ؟

 

        لا يمكن حصر كافة الأسباب المتوقعة في مقام محدود ومقال صغير لكننا سنكتفي فقط بالإشارة إلى سببين تاركين البقية إلى مقالات أخرى أو تعليقات وردود المتابعين .

 

        السبب الأول هو الإجبار أو شبه الإجبار على الزواج ، فحينما نتحدث عن الإجبار فإننا نعني الضغط المباشر الَّذي تمارسه سلطة الأسرة متمثلة في الوالدَين على طرفَي العلاقة أو أحدهما عبر الابتزاز العاطفي وهو ما تمارسه السلطة الأسرية على الشباب أكثر من الفتيات أو التهديد من خلال الاستضعاف وهو ما يقع على البنات أكثر من الشبان ، وفي هذه الحالة تتبدى أنانية الوالدَين أو الطرف المتغلب منهما مدعومة بمساندة تقاليد اجتماعية تعتبر المُكْرَه على الزواج عاقا خارجا عن الطاعة ويتم إقحام الدين في هذه الحملة الظالمة وهو بريء منها تماما حتى تكتمل كماشة الضغط السلطوي الأُسَري ، فيا عجبا كيف يجبر شخص ابنته على الزواج مِمَّن لا تريد ويضغط عليها باسم الدين وهو يأكل الربى ويشرب الخمر أو كيف تضغط أم على ابنها للاقتران بِمَن تريد ولا يريد وتهدده بعدم رضاها عنه علما بأن الله ليس راضيا عن قطيعتها مع أختها أو ممارستها الغيبة بحق جاراتها أو حياكة الدسائس لزميلاتها في العمل ؟ !

 

        أما الشكل الثاني من الإجبار فهو الضغط غير المباشر وضحاياه دائما من النساء خاصة المطلقات أو المتأخرات في الزواج حيث تتم مضايقتهن في البيوت بُغْيَة إخراجهن منها كي يتصرف أشباه الرجال فيها بيعا أو تقسيما وليس لدى أي منهم استعداد لاستضافة أُخْتِه في بيته حتى يأتيها نصيبها المناسب أو تستمر معه عزيزة ليكون هو كريما بصيانته لأخته ، لكن الكرم بعيد عن شواربهم بُعد المشرق عن المغرب خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المرأة حين تخرج من بيتها الَّذي تربت فيه مضطرة لتسكن وحيدة في شقة اشترتها أو استأجرتها فإن سهام الإهانات والشكوك يتم توجيهها إِلَيها من إخوانها قبل غيرهم ، فلا تجد المسكينة سبيلا إلا القبول على مَضَدٍ بطارق لا يناسبها فقط كي تهرب من جحيم الأسرة الظالمة والمجتمع المنافق وليس حرصا على ما يسمى قطار الزواج ، فليس للزواج قطار ولا ميترو أنفاق !

 

        السبب الثاني الَّذي نود الإشارة إِلَيه هو عدم إيمان طرفَي العلاقة بالزواج كَسَكن واستقرار وإنما هو بالنسبة لهما مجرد استكمال مظهر اجتماعي تنتفي الحاجة إِلَيه بإنجاب طفل أو طفلين وبعدها يتم افتعال الحجج والمبررات لإنهاء العلاقة بطلاق رسمي أحيانا وبطلاق غير رسمي أحيانا أخرى ليس من أجل الحفاظ على نفسية الأطفال كما يزعم الزوجان وإنما لأن بقاء هيكل الأسرة كيانا مستمرا من حيث الظاهر يشكل جدار حماية لهما كي يعيش كل منهما حياته كما يريدها ، فتغض الزوجة الطرف عن تصرفات زوجها المشبوهة طالما أنه لم يستفز كرامتها الظاهرية بإعلان ممارساته أمامها وأمام الجميع بينما يتجاهل الزوج تصرفات من زوجته ما كان لِيَقْبَل بها لو أنه شعر بأن ما بينه وبينها هو زواج حقيقي له مقتضيات وعليه مترتبات !

 

        كبر جيل من شباب اليوم وبناته على مشهد هجران الزوجين وتغاضيهما عن بعضهما فهانت قيمة الزواج في نفوس الناشئة ، والنتيجة هي تزايد عدد العازفين والعازفات عن الزواج ليس من باب عدم القدرة أو بناء على ما كُتِب في النصيب وإنما لأن الزواج سيشكل قيدًا عليهم في فترة الشباب ، فلماذا يربطون أنفسهم بقيود سيكسرونها بعد سنوات قليلة من الزواج ؟

 

        كذلك مَن تزوج منهم إما لاستكمال البرستيج أو تحت ضغط رغبة السلطة الأُسَرية هانت عليه قيمة الزواج فصارت الخيانات الزوجية بأشكالها المختلفة ظاهرة منتشرة ، فليس ضروريا أن يجد الزوج رجلا غريبا في فراشه كي تكون زوجته خائنة وليس ضروريا أن تتناهى إلى أسماع الزوجة أخبار صولات زوجها في شقق الإيجار اليومي أو الجواخير والمزارع كي تتأكد من أن زوجها خائن ، لكن ليعلم الجميع أن ظاهرة العلاقات الهاتفية بين المتزوجين والمتزوجات قد تصاعدت حتى لا يكاد أحد ينجو منها إلا مَن رحم ربي ، كل هذا وأكثر بسبب ما يسمى الطلاق العاطفي والذي بدأه جيل الطيبين سرا فصار سببا لِنَكَد الأسرة والمجتمع في جيل المساكين ضحايا الفشل الأُسري لجيل الطيبين !

هناك تعليق واحد:

فهد المطني يقول...

‏بارك الله فيك أستاذي الكريم على المقال المميز ‏وفي الحقيقة هذا المقال يحتاج إلى حلقات أخرى لتسليط الضوء على زوايا أخرى
‏لأن الطلاق العاطفي لا يمكن حصرها على العلاقة الجنسية فقط بين الطرفين
‏بل انه يتعدى ذلك ليصل إلى الجفاف في العلاقة بين الطرفين