ما يتحصل عليه الإنسان في حياته من سعة في الرزق أو كثرة في الذرية أو استقرار في العلاقة الزوجية إلخ مما يتمناه كل منا هو في نهاية المطاف نصيب يقدره ربنا سبحانه ، وهذا مبدأ لو طرحناه ككلام سنوافق جميعا عليه ونقول إن الله قدر لفلان أن يصبح غنيا ولفلان أن يعيش فقيرا ؛ وكتب لفلانة زواجا ناجحا سعيدا ولفلانة أن تفشل في زواجها أو لا تتزوج أصلا ، وكلنا سنطالب بشكر النعمة والصبر على الابتلاء ، لكن هل كلنا أو نصفنا سيطبق هذا المبدأ على أرض الواقع ؟
لا يعنيني كثيرا تفصيل المعنى اللغوي لكلمة ( عانس ) ؛ لكنها اجتماعيا باتت مصطلحا يُطلق على المرأة التي تقدم بها العمر عما تعارف عليه مجتمعها دون أن تتزوج ، والمجتمع طبعا بثقافته الذكورية المتخلفة يلمز المرأة بهذا المصطلح من باب الإدانة ولا يلتفت للرجل حينما يعبر به قطار العمر دون زواج ولا يدينه إلا بمجرد عتب بسيط لأنه لم يتزوج !
حينما تتصف امرأة ما بحدية الطبع أو كثرة الشكوك والوساوس أو أي صفة سلبية أخرى ويتصادف ذلك مع كونها لم تتزوج وهي في سن متقدمة فإن كثيرا منا يربط تلك الصفات بما يعتبره عقدا نفسية ناجمة عن العنوسة كما تسمى ، ويقول بعضنا تندرا عن مثل هذا النوع من النساء خاصة عندما يحتك بها وهي في منصب مرموق ولا يتم له إنجاز عمله على الطريقة التي يتمناها : " شوفو لها زوج يمكن تطخ شوي " !
يحدث مثل هذا النمط من الظلم الاجتماعي على المرأة التي لم يُقدر لها الزواج وبالمعية أيضا المرأة التي فشلت حياتها الزوجية علما بأن الصفات السلبية والإيجابية يمكن أن توجد في كل أصناف البشر بل إنها تمتزج في سلوك الشخص الواحد ذاته بغض النظر عن تفاصيل ما قُسِمَ له من رزق أو ذرية أو سعادة في الحياة الزوجية وما لم يُقدر له الله سبحانه أن يناله من أسباب السعادة تلك لحكمة يعلمها ربنا جل وعلا الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون !
من جهلنا وبلاهتنا أن نقول عن سين أو صاد من بنات حواء : " فلانة فاتها قطار الزواج " !
أولا – شرعا لا ينبغي لنا التلفظ بمثل هذه العبارة لأن الزواج شكل من أشكال الرزق ، والرزق بيد الله سبحانه وتعالى ولا يمكن أبدا أن يفوت أحد منا شيء قد كُتب له كما لا يمكنه الحصول على ما لم يقسمه ربه له ، فالحديث عن فوات ما يسمى قطار الزواج يوشك أن يكون تهمة موجهة لله عز وجل تعالى عنها ربنا علوا كبيرا !
ثانيا – الزواج ليس قطارا كي يلحق هذا برحلته أو تتأخر هاتيك عن محطة انطلاقه لتفوتها الرحلة ، لكن الزواج رباط مقدس وشراكة تمثل أعظم علاقة تبادلية بين البشر ، فمَن تيسر له الزواج من الرجال أو النساء عليه الوفاء بمقتضيات تلك العلاقة ومَن لم يُقدر له الزواج عليه أن يسأل الله من فضله ويؤمن أنه ما دام سائرا على الطريق السليم فإن أمره سيكون كله له خير ، ولا يظن أبدا أن قطارا أو حتى باص مواصلات قد فاته .
عزيزتي التي تأخر زواجها : تعاملي مع الغمز واللمز بروح التحدي للثقافة الذكورية المتخلفة ولا تسمحي لكلام السفهاء أن يعبث بمشاعركِ ويثير أعصابكِ حتى لا تتيحي لهم فرصة وصمكِ بالعقد النفسية الناجمة عن ما يسمونه ( العنوسة ) ، وإن عيروكِ بنصيبكِ الذي كتبه الله لكِ فقولي لهم : " عانس وأفتخر " ، فمَن يدري ؛ ربما بعد طول انتظار يُكتب لكِ زواج ناجح بينما تفشل أكثر زواجات مَن عيروكِ أو ربما يُكتب لكِ نجاح أكثر أهمية من الزواج ، ولو لم يُكتب لكِ إلا الصبر ونجاحكِ في تطنيش المجتمع المتخلف دون أن تؤثر عليكِ إيماءاته الجارحة لكفاكِ ذلك فخرا وأجرا إن شاء الله .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق