ليست هذه المرة الأولى التي تنتقد فيها تقارير غربية من كندا أو غيرها ما تعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان في السعودية أو غيرها من دول الشرق الأوسط لكنها المرة الأولى التي ترد فيها المملكة بهذه الحدة على مثل هكذا تقارير !
يأتي التصعيد الدبلوماسي والاقتصادي السعودي ضد كندا في ظل عاملَين هامَين : الأول هو عدم الارتياح الذي يشوب علاقة الرئيس الأمريكي ترامب برئيس وزرا كندا جاستن ترودو ، فرئيس الوزراء الكندي هو زعيم الحزب الليبرالي في بلاده والذي تتعارض منطلقاته خاصة في مسألة المساواة بين المواطنين مع ما يتبناه الحاج أبو إيفانكا من أفكار عنصرية أكسبته كراهية تتنامى عبر العالم يوما بعد يوم ، أما العامل الثاني فهو الترتيبات الاستراتيجية التي أرساها ترامب مع السعوديين لمصلحته طبعا بالدرجة الأولى لكنها كما يرى الساسة في الرياض تصب أيضا في مصلحتهم كونها ستؤدي إلى لجم التوسع الفارسي في منطقتنا والذي تسببت في دفع عجلته خيبات العرب المتتالية !
في ظل العاملَين المذكورَين تستمر الحرب في اليمن بما تشكله من نزيف واستنزاف للسعودية ناهيكم عن الظروف الاقتصادية التي تمر بها المنطقة بعد إجبار دولها على الشروع بفرض الضرائب ثم تهديدها من قبل ترامب بخفض قادم كبير لأسعار البترول سلعة أهل الخليج العربي الرئيسية ، وفي ظل معطيات الوضع الراهن تحتاج السعودية إلى تحقيق نصر دعائي تظهر من خلاله على أنها تتحدى الضغوطات الغربية ولا تسمح للغرب رغم الصداقة بالتدخل في شؤونها السيادية فوجد متخذو القرار في السعودية ضالتهم فيما ظنوها النقطة الأكثر هشاشة وهي رئيس وزراء كندا وحزبه ، فاتخذوا إجراءاتهم بسرعة وكان لافتا التركيز على وقف التعاملات التجارية مع كندا وهو ما يعتبر في الغرب تهديدا للقطاع الرأسمالي المستفيد المباشر من الصفقات مع الدول الثرية ؛ لكنه أيضا يشكل تهديدا لقدرة المصانع والشركات الغربية على توفير فرص العمل والتي ترتبط في الغرب بالصفقات مع الدول والشركات المحتاجة لمنتجات مصانعه الضخمة ، هذا معناه استثارة نقمة الناخب الذي قد يخسر فرصة عمله أو لا يجد فرصة عمل أصلا ؛ وكلنا يعرف أن تسريح العاملين في مصانع الغرب أسهل من شرب الماء !
بعد هذا العرض للمشهد المتعلق بالأزمة الكندية السعودية كما نراه يحق لنا التساؤل : ما هي الاحتمالات الواردة لمستقبل هذه الأزمة ؟
الاحتمال الأول – إصرار الحكومة الكندية وحزبها الليبرالي على التمسك بالموقف إزاء السعودية تحت بند المبادئ والقيم ، وبالتالي سيدخل جاستن ترودو وحزبه في مواجهة مع القطاع الرأسمالي والذي سيدعم المعارضة مستفيدا من نقمة الذين أثرت عليهم خسارة فرص العمل من الناخبين وبالتالي سيخسر الحزب الليبرالي الكندي أي انتخابات قادمة وهذا ما يتمناه ترامب ، وبعدها لن يكون من الصعب إنهاء المشكلة مع السعودية وكأنها لم تكن .
الاحتمال الثاني – أن تصدر الحكومة الكندية تصريحات مفادها أنه قد تم إساءة فهم موقفها وأنها حريصة على علاقاتها المهمة مع السعودية بما يشبه الاعتذار للسعوديين وطلب الصفح منهم ، وهذا الاحتمال في حال حدوثه سيشكل مادة إعلامية للتشنيع على رئيس الوزراء الكندي وحزبه وبالتالي فإن السيد جاستن ترودو بات بين مطرقة الاحتمال الأول وسِندان الاحتمال الثاني .
الاحتمال الثالث – أن يتمسك جاستن ترودو بموقف حكومته وحزبه ثم يحظى بدعم شعبي انطلاقا من أن كندا بقيمها ومبادئها لن تخضع لتهديد وابتزاز أثرياء شيوخ البترول ، ثم يتم تجديد الثقة للحزب الليبرالي في الانتخابات القادمة ويتعزز وضعه داخليا ومساندة الشعب له ، هذا الاحتمال وارد رغم أنه أقل قوة من الاحتمالين السابقين لكنه أخطر الاحتمالات الثلاثة ؛ فحدوثه يعني أن تغيرا فكريا بدأ يطرأ على الذهنية الغربية وأن بعث الروح في الأفكار التي طرحتها جماعة ( احتلو وولستريت ) التي اعتصمت قرب بورصة نيويورك عام 2012 وتبنت فكرة استئثار القلة الرأسمالية بالثروة قد تنبعث من جديد وبزخم أقوى ، حينها ستصبح كندا نقطة بداية النهاية للمنظومة الرأسمالية تماما كما كانت بولندا نقطة بداية النهاية للمنظومة الشيوعية الاشتراكية عندما اعتصم العمال في حوض غدانسك عام 1981 فأصبحت وارسو المدينة التي حمل الحلف الشيوعي اسمها على مدى عقود هي الحفرة التي تم فيها دفن ذلك الحلف وكانت أحداث بولندا عام 1981 مقدمة لسقوط سور برلين بعدها بسبع سنوات ثم إعادة توحيد ألمانيا وسقوط الاتحاد السوفيتي السابق ، فهل جاء دور المنظومة الغربية الرأسمالية لتسقط انطلاقا من كندا وحنقا على الحاج ترامب والذي يتصرف كبزنسمان لا كرئيس دولة عظمى ؟
الله أعلم ، ما علينا سوى متابعة الأحداث لكننا نظن أن حصول الاحتمال الثالث لن يشكل مفاجأة فحسب وإنما سيكون بداية تغيير كوني ضخم ربما ستكون منطقتنا الأكثر تأثرا به بعد مركزه في الغرب .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق