استكمالا لما أوردنا في مقالنا السابق حول اعتذار عائض القرني عما سماها الصحوة الإسلامية وبعدما بَيَّنَّاْ حقيقة أن الإسلام إنما دعا إليه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه وحده دون غيره من البشر مَن يؤخَذ منه ولا يُتْرَك وأنه لا قداسة لأحد كائنا مَن كان ولو أضفى عليه المجتمع لقب ( الشيخ ) نقول لعائض القرني وصاحب الليوان عبد الله المديفر ولمَن يملي عليهما وعلى غيرهما ما يجب عليهم أن يقولوه أن ما سميتموه صحوة إسلامية لا علاقة لها بالقرني ولم يكن هو المتصدر لمشهدها العميق في جذره التاريخي وبُعدِه السياسي والاجتماعي ، فعائض لم يبرز اسمه إلا في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي ثم تسعينياته عبر كونه حَكَواتيا يستظرف بعض الشباب نكاته السمجة وأشعاره السخيفة ، أما دوره في الحديث عما كان يسمى جهادا في أفغانستان ثم البُوْسْنا فلم يكن سِوى صدى لسياسة السلطة في بلده التي تبنت هذا الطرح ووظفت كبار الموصوفين بأنهم مشايخ لتعزيز هذه الفكرة بشكل مباشر أو غير مباشر ، أما ما سُمِّيَت صحوة إسلامية فهي في بُعْدِها السياسي تعود لهزيمة التيار القومي الذي كانت واجهته مصر عبد الناصر وحينها لم يكن الطرح الديني في السعودية يحظى بشعبية في الوسط الاجتماعي حتى في دول الخليج العربي بل ولا حتى في العديد من مناطق المملكة ذاتها ، لكن بعد هزيمة عبد الناصر ثم ذهاب خَلَفِه السادات إلى القدس وصولا إلى توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل لم يجد المجتمع العربي المهزوم والمأزوم نفسيا أمامه إلا تبني فكرة ( الإسلام هو الحل ) والتي كانت شعار حزب الإخوان ومركزه مصر وليس السعودية .
في تلك المرحلة ظهر في بلاد فارس التطرف الذي مَثَّلَه انقلاب الدجال خميني حيث اتجه مباشرة إلى تهديد الجوار العربي تحت شعار تصدير الثورة ، ولأن صورة خميني كانت تعبر عن تهديد شيعي فليس أمام الطرف المقابل إلا تبني صورة السني الموحد في مواجهة عقائد أهل الرفض وعُباد القبور ، وهُنا تجلى دور الطرح الديني في السعودية حين استقطَبت جامعاتها الدينية شبابا للدراسة فيها مِن كل أنحاء العالم الإسلامي وتلاقَىْ هذا المشهد مع قصة الجهاد المزعوم في أفغانستان الذي استخدمت فيه أمريكا بِدهاء سَذاجة المجتمع الإسلامي وكانت السياسة السعودية بكل إمكاناتها في خدمة هذا المشروع لمحاربة الوجود السوفييتي في أفغانستان والذي كانت إيران الخميني شريكة في محاربته إلى جانب السعودية رغم تصادم الطرفين على ساحة الخليج العربي ورغم الاختلاف الأيدولوجي بين التيار النجدي ( الوهابي ) والتيار الفارسي ( الخميني ) .
بعد انقضاء تلك المرحلة ثم دخول العالم ما سمتْه أمريكا ( النظام الدولي الجديد ) من عتبة الغزو العراقي للكويت انتفت الحاجة لما كانت تُعرَف بالصحوة الإسلامية سياسيا في الجانب الظاهر على السطح وإن كانت الحاجة لاستثمار إفرازاتها الفكرية استخباراتيا ما تزال قائمة ، وفي هذه الأثناء لم يكن عائض القرني سِوى تاجر شعارات ونجم إعلامي فعن أي دور يعتذر ؟
حقيقة الأمر هي أن السياسة السعودية في المرحلة الحالية اعتمدت وعلى لسان الأمير محمد بن سلمان نفسه أسلوب اقتلاع آثار ما جرى بعد عام 1979 م عبر تدميرها دون انتظار ثلاثين سنة أخرى ، واستقدام أشخاص مثل صالح اللحيدان أو صالح الفوزان وغيرهما ممَن بقي من أصحاب الفكر التقليدي لتسجيل مثل هكذا موقف أمر لا يليق بوقارهم المُفترَض وبالنظر لانتهاء دورهم وانتفاء قدرتهم على إحداث التأثير في المجتمع ؛ لذا كان عائض القرني هو المؤهل عبر ليوان المديفر في منصة الوليد بن طلال ( قناة روتانا ) لأداء هذا المشهد السخيف !
بعد هذه الصورة والتي اختزلناها في هذه السطور ولو فصلناها ما وَسِعَها المقام نخلص إلى حقيقة مفادها أنه لا قيمة لاعتذار عائض القرني سواء أكان النهج الديني لما سُمِّيَت صحوة إسلامية صحيحا أَم خاطئا لأنه ليس لشخص القرني دور مؤثر فيه أصلا ، ثم أنه إن كان النهج الفكري لما سُمِّيَت صحوة إسلامية خاطئا فالواجب على السعودية كدولة قبل الشيخ فلان والشيخ علان أن تعتذر هي عما جرى في ثمانينيات القرن الماضي لأنه إنما تم برعايتها تشجيعا وتمويلا ، والله مِن وراء القصد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق