تلقيتُ ردود أفعالٍ متباينة حول مقالنا السابق ( زواج سفري
وعلاقة Take Away ) ؛ فمنها ما هو مؤيد ومنها ما وصف طرحنا بالمبالغ فيه
ومنها أيضا ما اعتبر ذلك الطرح تماديا غير مقبول ودخولا في خصوصيات تمثل
كل منها حالة منفصلة لا يحق لغير المعنيين بها تحديد ما يجب فعله إزاءها
.
إلى هُنا والأمر عادي جدا ؛ لكن ما لفت انتباهي تعليق كتبت فيه
صاحبته تقول : " أنتم معشر الرجال تعشقون علاقة Take Away ولا أدل على
ذلك من هوسكم بزواج المسيار وهو أوضح أشكال علاقة Take Away " !!!
سأرد على الأخت الكريمة بما أنَ مقتنع به وأعتقده مع كل الاحترام
والتقدير لمَن يختلف معي سواء في الرؤية أو حتى في المذهب ؛ إذ أن لكل
مذهب آراؤه واستدلالاته ، لكنني شخصيا أشعر أحيانا بأن حديث بعض أشباه
الرجال عن الجانب الفقهي المتعلق بالزواج وأحكامه كأنه يسعى لخدمة
مقتضيات الذكورة لديهم وليس منطلقا من مقاصد الشرع ، لذلك فإن رأيي في
المسألة يقوم على ما يلي :
أولا – العلاقة الزوجية تقوم على ثلاثة أضلاع ؛ أولها الأركان الثابتة
المرتبطة بمقاصد الشرع وفي مقدمتها ما ورد في الآية 21 من سورة الروم إذ
قال الله تعالى : " وَمِنْ آْيَاْتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاْجًا لِتَسْكُنُوْا إِلَيْهَاْ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً " ؛ فسكن الزوجين لبعضهما بما يوجد المودة والرحمة
هو المقصد الأسمى للزواج الذي يقوم بناء الأسرة عليه ، أما ثاني تلك
الأضلاع فهي الأحكام المنظمة لشؤون الحياة الزوجية وضمان استمرارها
بالمعروف أو إنهائها بالإحسان ، أما الثالث فهو ما يتفق عليه طرفَاْ عقد
الزواج من شروط على ألا تتناقض مع الأركان ولا تتضارب مع الأحكام ولا
يكتنفها شيء من الحرام .
ثانيا – أركان الزواج هي :
1 – البلوغ ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فالرجل راعٍ
في بيت أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن
رعيتها " ، والمسؤول لغة هو مَن تقع عليه المحاسبة وغير البالغين من
الأطفال ذكورا وإناثا هم أحد ثلاث أصناف من البشر رُفِعَ القلم عنهم فلا
يمكن تحميلهم المسؤولية المنصوص عليها في حديث النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ، كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم حينما دعَاْ رجال أمته للزواج
قال : " يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج " ؛ فكان الخطاب
للبالغين من الرجال لا لغيرهم ، كذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم : "
تزوجوا الودود الوَلود فإني مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة " ؛ فالدعوة
النبوية أتت للاقتران بالبالغات من النساء لأن الأنثى غير البالغة لا
يمكن أن تكون وَلُوْدًا .
2 – الإحصان ، فعفة طرفي العلاقة الزوجية شرط لصحة الزواج بدليل قوله
تعالى : " اَلزَّاْنِيْ لَاْ يَنْكِحُ إِلَّاْ زَاْنِيَةً أَوْ
مُشْرِكَةً وَاَلزَّاْنِيَةُ لَاْ يَنْكِحُهَاْ إِلَّاْ زَاْنٍ أَوْ
مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَىْ ااَلْمُؤْمِنِيْنَ " ( النور 123 ) .
3 – الإشهار ، وهو ليس مرتبطا بوليمة العرس كما قد يظن البعض نتيجة أن
تلك الوليمة كانت في أزمان غابرة هي وسيلة إشاعة خبر الزواج بما يمنع
كِلَاْ الطرفين من إنكاره والتنكر لمقتضياته ، لكن شكل الإشهار يختلف
باختلاف أحوال وظروف الناس في الزمان والمكان ؛ والإشهار في حياتنا اليوم
يُقصد به توثيق عقد الزواج في المحكمة رسميا لحفظ الحقوق وإلزام طرفي
العقد بالواجبات ، وفي رأيي أن المتساهلين في هذا الأمر من المتصدرين
للفتوى الذين لم يُفتوا بحرمة ما يسمى الزواج العرفي قد عرضوا المرأة على
وجه الخصوص لأن تغدو ضحية بعض ضعاف النفوس الذين يحتالون عليها تحت مظلة
ما يسمى الزواج العرفي ثم يتنكرون لهذا الزواج فيقع الضرر خلافا لما
تقتضيه القاعدة الشرعية المبنية على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم : " لا ضرر ولا ضرار " .
تأتي بعد ذلك الأركان المعلومة للجميع من ولي وشاهدين وإيجاب
وقبول وهو أمر مفروغ منه لأنه ليس خلافيا .
ثالثا – يجوز لطرفي العلاقة الزوجية الاتفاق فيما بينهما على أي شيء
يريدانه شريطة ألا يتصادم ذلك مع مقاصد الشرع وأحكامه ، ومما يجوز
الاتفاق عليه هو إسقاط المرأة لحقها في توفير السكن أو قسمة المبيت وهو
ما يسمى من باب الاصطلاح الاجتماعي لا الشرعي ( زواج المسيار ) ، فهذا
المصطلح لا علاقة لملفظه بأحكام الشرع لأن أركان صحة الزواج شرعا لا يمكن
العبث بها ، أما ما عدا ذلك فإنه يُترك لطرفي العلاقة ليقررا ما يناسبهما
.
مخلص الكلام هو أن علاقة Take Away يمكن أن يمارسها زوجان يقيمان
معًا في بيت واحد ؛ أما المسيار فهو مصطلح اجتماعي لا شرعي يرمز لعقد
زواج متكامل الأركان وتسري على طرفيه كافة الأحكام الشرعية ذات الصلة إلا
أن المرأة لفيما يسمى زواج المسيار أسقطت وفق حسابات شخصية هي أدرى بها
حقها في توفير السكن لها من قِبل الزوج وتنازلت عن قسمة المبيت بينها
وبين مَن كانت قبلها في ذمته أو مَن قد تدخل بعدها في تلك الذمة ، أما
ربط ما يسمى زواج المسيار بالسرية والكتمان فهذا لا يجوز لأنه يتناقض مع
ركن أصيل من أركان الزواج وهو الإشهار ؛ فالسرية قد تؤدي إلى القطيعة بين
أبناء الرجل الواحد وبناته من زوجاته كما قد تؤدي إلى انقطاعهم عن الجد
والجدة والأعمام إلخ من سلسلة الأقارب الأمر الذي يُعتبر قطيعة رحم وهو
ذنب من أخطر الذنوب ، كذلك فإن وفاة مَن أخفى زواجه ستؤدي حتما إلى مفاسد
وكراهية حين يتواجه الورثة ضد بعضهم في ساحات القضاء ، فلا علاقة إذًا
لما يسمى زواج المسيار بقصة Take Away وإنما هي ممارسة خاطئة قد يقع فيها
الزوج والزوجة وهُما بالتالي يتحملان معًا مسؤولية هذا الخطأ ؛ فلا يصح
لوم الرجال دون النساء على وقوع تلك الممارسة .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
هناك تعليق واحد:
للأسف أن كثير من المفاهيم والأحكام التي تتعلق بالحياة الأسرية والزواج تُستقى من الإعلام والدراما التي لعبت عند كثير من العوام لا سيمَ النساء دور المرجعية الفقهية التي يأخذوا عنها الحكم في مسألة ما ، وقد يكون ذاك الحكم الذي سرى مسرى القاعدة الفقهية لا يمت لتعاليم الشرع بصلة بل قد يكون رأي الشرع في تلك المسألة ينافي حكمهم الذي استقوه من ذلك المسلسل أو تلك الكاتبة الصحفية!
إرسال تعليق