الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

وقفات في رحاب ذكرى الغزو العراقي : ج٤

    بإذن الله سنختم في هذا المقال وقفاتنا في رحاب ذكرى الغزو العراقي
للكويت ، وما كان استطرادنا في الحديث عن الوضع السياسي الإقليمي والدولي
قُبيل الغزو إلا لسبب واحد هو أن صانع القرار العراقي آنذاك بنى حساباته
الخاطئة في اتخاذ قرار الغزو وفق قراءته الخائبة لمعطيات مواقف أمريكا
الانتهازية أولا ثم إيران ثانيا وثالثا السلوك السعودي الذي عزز لدى
المستبد العراقي الصورة المغلوطة لوضع سياسي قرأه صدام على أساس إملاءات
رغبته في ابتلاع الكويت وليس كما هو على أرض الواقع ...

    الوقفة الرابعة – النفط : عانت السياسة النفطية في العراق والكويت
معًا من حالة انعدام الشفافية طوال ثمانينيات القرن الماضي ، ففي العراق
كان كل شيء يسير بموجب قرارات الدكتاتور المستبد بعيدا عن مصلحة الدولة
كدولة وبعيدا عن المهنية في إدارة شؤون الوزارات كافة ومن بينها وزارة
النفط التي كان يتولاها مع حدوث الغزو شخص مهني اسمه عصام عبد الرحيم
الجلبي ، ولا أعلم شخصيا متى تم تعيينه بالضبط لأن الوزراء في عراق صدام
حسين من غير آل المجيد لم يكونوا سوى موظفين إداريين لا قيمة لهم ولا
يُعرف عن سيرتهم إلا القليل .

    أما في الكويت فقد تولى علي الخليفة العذبي الصباح وزارة النفط
والمالية في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي ؛ ثم أُسندت وزارة
المالية إلى جاسم الخرافي وظل علي الخليفة محتفظا بحقيبة وزارة النفط حتى
أطلق صدام تهديداته الشهيرة أواخر مايو من عام 1990 م ، بعدها بأيام جرت
انتخابات ما سُمي المجلس الوطني في الكويت وتشكلت على إثرها حكومة لم
يشارك فيها جاسم الخرافي وأُسندت وزارة المالية من جديد إلى علي الخليفة
والذي تخلى عن وزارة النفط ؛ ( العنوان الرئيسي لتهديدات صدام ) ، وتم
إسناد حقيبة النفط إلى رجل مهني وطني هو الدكتور رشيد سالم العميري .

    في فترة تولي علي الخليفة لوزارة النفط وتحديدا في 9/8/1988 أي بعد
24 ساعة من إعلان وقف إطلاق النار بين العراق وإيران رفعت الكويت في خطوة
مفاجئة إنتاجها البترولي في قرار لم تكن للكويت كدولة مصلحة في اتخاذه ،
ولم تكن تلك الخطوة موجهة ضد العراق بالضرورة لكنها كانت حتما متسقة مع
حسابات ومصالح أمريكا والتي كان لها رجالها في مطبخ صنع القرار الكويتي
!!!

    بعد تصاعد الأزمة العراقية الكويتية وجد وزير النفط العراقي عصام
الجلبي ونظيره الكويتي حديث التعيين رشيد العميري نفسيهما أمام اختبار
عسير ، وللأمانة فإن الرجلين قبل الغزو بأسبوع قد تعاملَاْ مع الأزمة
بمهنية إذ اتفقا مع بقية نظرائهما في أوبك على تخفيض محدود في إنتاج
البترول بما يرفع سعر البرميل من 18 إلى 21 دولارا وكانت تلك الخطوة
متناغمة تماما مع مصلحة العراق والكويت كما أن صورة ملفتة للانتباه جمعت
الوزيرين الجلبي والعميري وهُما يتبادلان الحديث والابتسامات ؛ لكن جهود
وزيري النفط الكويتي والعراقي لم تكن كافية للحيلولة دون اجتياح الكويت
الذي كان صدام قد عقد العزم عليه منذ مارس عام 1990 م !!!

    وقد تمت معاقبة عصام الجلبي في العراق ورشيد العميري في الكويت
بسيناريوهين مختلفين ، فبالنسبة لعصام الجلبي عزل من منصبه أثناء الغزو
في أكتوبر عام 1990 م ؛ إذ بعد فرض الحصار الاقتصادي على العراق تضررت
منشآت تكرير البترول العراقية المترهلة أصلا حتى قبل الحصار ، فاتخذ عصام
الجلبي قرارا مهنيا بوقف عمل المصافي وغلق محطات تعبئة الوقود في كافة
أنحاء العراق والكويت المحتلة ، سبب ذلك القرار تذمرا لدى الشعب العراقي
الذي لم يكن مُقتنعا أصلا بالغزو ؛ وكانت هذه أول مرة يخشى فيها نظام
صدام حسين من انتفاضة شعبية فقام باتخاذ قرار عزل الوزير الجلبي وإلغاء
قراره في مساء يوم جمعة لا أذكر تاريخه بالضبط ؛ لكن قرار العزل وإعادة
فتح المصافي ومحطات البنزين قد بُث عبر التلفزيون في الساعة العاشرة مساء
فتقاطر الناس بعدها لتعبئة سياراتهم بالبنزين وكُنا من ضمنهم ، وحمل
البيان الرسمي الوزير المسكين عصام الجلبي مسؤولية ما اعتبره تقصيرا يرقى
إلى درجة الخيانة ؛ ولم أسمع شخصيا بعدها أي شيء عن عصام الجلبي حتى
يومنا هذا !!!

    أما معاقبة رشيد العميري في الكويت فقد تمت بعد تحرير البلاد من
المحتل العراقي الذي أشعل حقده النار في معظم آبارها النفطية بحرائق لوثت
البيئة في أنحاء واسعة من شبه الجزيرة العربية والعراق وإيران وليس في
الكويت فقط ، ومع ضخامة هذه الحرائق إلا أن الوزير العميري صرح بأن
إطفاءها ممكن خلال سبعة أشهر وبتكلفة أقل مما روجت له الأوساط الأمريكية
التي ادعت أن تصريحات الوزير العميري خاطئة وأن إطفاء الحرائق يحتاج عدة
سنوات ، فما كان من السلطة الكويتية إلا أن جاملت الأمريكان وعزلت رشيد
العميري من منصبه ؛ لكنها لم تتهمه بالتقصير ولا بالخيانة مثلما فعل
النظام العراقي مع عصام الجلبي ولم تغيبه عن الأنظار ، وأثبتت الوقائع
صحة كلام الدكتور رشيد العميري وانطفأت حرائق الآبار النفطية فعلا خلال
سبعة أشهر ، لكن الأمريكان ومَن شاركهم من الانتهازيين خارج الكويت ومن
الكويتيين أنفسهم هم الذين نالوا القسم الأكبر من كعكة أطفاء حرائق
الآبار ، أما الدكتور رشيد العميري فقد نال احترام وتقدير الشرفاء من أهل
الكويت ؛ وكفى بها مكافأة ما زال وسيظل ينعم بها الدكتور العميري ، أما
الانتهازيون فإن لهم حكايات أخرى سنتناولها بإذن الله في مقالات حول فترة
الاحتلال والتحرير في وقت لاحق ...

    ليست تلك كل الوقفات مع الغزو وذكرياته ؛ لكننا أوردنا في هذه
السلسلة ما نظن أن الإعلام الرسمي وغير الرسمي لم يذكره ولن يذكره ،
ولأهل الكويت الذين عاشوا تلك الفترة وقفات ووقفات مع ذكراها ؛ فكل له
تجربة ولكل تجربة تفاصيلها الخاصة .

ليست هناك تعليقات: