الاثنين، 1 أغسطس 2016

وقفات في ذكرى الغزو العراقي ( ج٣ )

    نواصل وقفاتنا في رحاب ذكرى الغزو العراقي للكويت .

    الوقفة الثالثة – وضع الكويت إقليميا ودوليا قُبيل الغزو : أثناء
المواجهة العسكرية بين العراق وإيران كانت الكويت تمثل ثاني الداعمين
ماليا للنظام العراقي السابق بعد السعودية ؛ وكان ميناء الشعيبة الكويتي
يشكل مع نظيره ميناء العقبة الأردني الرئتين اللتين كان يتنفس منهما
العراق إبان فترة الحرب التي دامت ثمان سنوات كان العراق يقف في ست سنوات
منها موقف الدفاع والمتلقي للهجمات الإيرانية منذ 11/7/1982 م وحتى نهاية
الحرب في 8/8/1988 م ، فمن الطبيعي أن تكون العلاقات الكويتية الإيرانية
مكبلة بالإرث الثقيل لفترة الحرب خاصة وأن إيران قد قامت بقصف ناقلات
ومنشآت الكويت النفطية كردة فعل على وقوفها مع نظام صدام ؛ كما أن إيران
أيضا قد رعت عمليات إرهابية في الكويت كانت أخطرها محاولة اغتيال الأمير
الراحل الشيخ جابر الأحمد يرحمه الله في 25/5/1985 م ، فانتهت الحرب بين
العراق وإيران وعلاقات الأخيرة بالكويت شبه مقطوعة .

    أما في الجنوب فقد وقع ما لم يكن في الحسبان ؛ حيث تداخلت ثلاث
ملفات في العلاقات الكويتية السعودية يطول الحديث فيها ، وكانت تلك
الملفات كافية لتوتير العلاقات بين البلدين في الربع الأخير من عام 1989
م وبداية العام 1990 م حتى حدوث الغزو العراقي ، وقد تحدثت عن ذلك الصحف
البريطانية قبل الغزو بعشرة أيام وأثناء فترة التهديدات العراقية قائلة
إن علاقات آل سعود بصدام حسين أقوى من علاقاتهم بآل الصباح !!!

    نخلص من كل ذلك إلى حقيقة مُفادها أن الكويت عانت في فترة ما قبل
الغزو العراقي من يتم سياسي إقليمي تمثل في توتر علاقاتها بالسعودية
وإيران في وقت واحد ؛ وكان صدام حسين يقرأ ذلك التوتر بلغة زعيم العصابة
البلطجي لا بعقل السياسي المحنك سواء كان خَيِّرًا أم شريرا !

    أما على المستوى الدولي فلم يكن هناك دور مؤثر في المنطقة لأي قوة
غير الولايات المتحدة الأمريكية والتي كان لها مع الكويت ملف أسود طوال
فترة ثمانينيات القرن الماضي وصولا إلى اللقاء الشهير بين سفيرتها في
بغداد غلاسبي والرئيس الراحل صدام حسين يوم 26/7/1990 م والذي أوحت عبره
أمريكا عن عمد لصدام بغزو الكويت تحقيقا لهدف استراتيجي كبير لم تكن
العقلية الضحلة لزعيب عصابة آل مجيد لتدركه !

    في عام 1985 م ضغطت أمريكا على الكويت كي تشتري مجموعة سنتافي ذات
الأسهم المنهارة مثلما فعلت بعد 23 سنة أي في عام 2008 م حين ضغطت على
الكويت قُبيل حدوث الأزمة المالية العالمية لتشتري أسهما خاسرة في
مجموعتي سيتي غروب وميريلانش وهو ما أدى إلى تكبد الكويت خسارة كبيرة جدا
، وبالعودة إلى أجواء ثمانينيات القرن الماضي نذكر بأن قصة السنتافي هذه
كانت أحد الأسباب التي أدت إلى حل مجلس الأمة في الكويت عام 1986 م حلا
غير دستوري لم تحتج عليه أمريكا كعادتها في مثل هذه الحالات ولم تطالب
الحكومة الكويتية باحترام الديمقراطية وما إلى ذلك من أسطوانات أمريكية
مشروخة !!!

    مع كل ذلك لم تحفظ أمريكا للكويت صنيعها ؛ فقد رفض الأمريكان بيع
صواريخ ستنغر للكويت رغم حاجتها إلى تلك الصواريخ ؛ ثم إنها استغلت ورطة
الكويت حين تعرضت ناقلاتها النفطية للقصف الإيراني واشترطت رفع العلم
الأمريكي على تلك الناقلات وهو ما لطفه الخطاب الرسمي الكويتي عام 1987 م
ليسميه : " إعادة تسجيل الناقلات في الولايات المتحدة الأمريكية " ، ولو
كان الأمريكان حلفاء مخلصين لقدموا الحماية للناقلات الكويتية ولو بمقابل
مادي دون الحاجة إلى هذا الأسلوب المهين في التعامل مع الكويت !!!

    كل تلك الظروف كان يرقبها صدام حسين خاصة في فترة ما بعد توقف الحرب
مع إيران ؛ وكان هذا البلطجي يفكر في ابتلاع الكويت عبر سيناريو واحد فقط
وهو الاجتياح والضم لأنه كان يحتقر الكويتيين حكاما ومحكومين ؛ وقد قال
عنهم في 23/7/1990 م عبر خطاب له ثرثر فيه كعادته مدة تناهز فترة فلم
هندي : " هناك بعض العرب لا يستحقون الحياة " !!!

    لذلك فقد تراسل صدام مع الرئيس الإيراني وقتها هاشمي رفسنجاني في
21/4/1990 م وأخبره فيها أن العراق وإيران كانتا ضحية فتنة سببها الرئيس
الكويت ؛ فرد عليه رفسنجاني بأن إيران لن تتدخل في أي إجراء يتخذه صدام
بحق الكويت شريطة أن يوافق العراق على العودة لاتفاقية الجزائر الموقعة
بين البلدين عام 1975 م والتي مزقها صدام قُبيل اجتياح قوته للأراضي
الإيرانية وتحديدا في 17/9/1980 م معتبرا إياها اتفاقية مذلة ، فوافق
صدام على الشرط الإيراني ونفذه بعد غزو الكويت بأسبوعين وتحديدا في
16/8/1990 م في رسالة استسلام علنية ومذلة بعثها لرفسنجاني وأذاعها عبر
وسائل إعلامه الرسمية ، ولعل هذا هو ما يفسر الموقف الإيراني الذي عبرت
عنه صحيفة طهران تايمز المقربة من رفسنجاني في 23/7/1990 م حين قالت : "
إن العراق على حق في أنه لا يجوز لدول مثل الكويت والإمارات أن تجني
وحدها ثمار السلام عبر تجاوز حصص إنتاجها النفطي " !!!

    الموقف الإيراني كان من الناحية السياسية مفهوما رغم افتقاره للجانب
الأخلاقي ؛ فالعراق كان خصمه في حرب السنوات الثمان والكويت كان داعما
رئيسيا له فكان من المنطقي أن تستغل إيران حالة الخلاف بين البلدين ، لكن
الموقف اللئيم والإجرامي تمثل في السلوك الأمريكي والذي لم يكتفِ بإعطاء
الضوء الأخضر لصدام من خلال ما قالته له السفيرة غلاسبي وإنما جاءت إفادة
مساعد وزير الخارجية الأمريكي ريتشارد ميرفي للكونغريس في 30/7/1990 م
لتؤكد الضوء الأخضر ؛ إذ قال ميرفي في إفادته أن أمريكا لا تملك آلية
تدخل سريع لمنع صدام من مهاجمة الكويت !!!

    أما بالنسبة للسعودية فإنها لم تكن شريكة في المؤامرة ؛ لكنها كانت
ولا زالت تعاني فشلا في إدارة علاقاتها مع جاراتها الخليجيات ، فكان
التوتر الذي ساد العلاقات السعودية الكويتية في ذلك الحين كافيا لجعل
صدام يعتقد بأن آل سعود لن يبكوا على الكويت وسيقبلون بضمه لها ، أما
مقولة أن صدام كان سيهاجم السعودية ودول الخليج فلم تكن سوى حجة لتسويق
التحشيد العسكري الأمريكي بعد الغزو ؛ فلو قبلت السعودية بضم العراق
للكويت ما كان صدام ليهاجمها !!!

    وقد أثبتت الأزمة الكويتية العراقية فشل منظومة مجلس التعاون
الخليجي ؛ إذ هدد العراق دولتين من دول المجلس عبر مذكرة ساق فيها
اتهاماته المعروفة ، فبدلا من أن تلتئم قمة طارئة لدول المجلس تعتبر فيها
تهديد الكويت والإمارات تهديدا لكل دول المجلس وترسل مذكرة عبر أمين عام
مجلس التعاون الخليجي إلى الجامعة العربية ترد فيها على العراق ردا موحدا
قامت الكويت بإرسال مذكرة منفردة يوم الخميس 19/7/1990 م وبعدها بيوم
واحد أرسلت الإمارات مذكرة منفردة أخرى ، أما السعودية كبرى دول مجلس
التعاون الخليجي وحاضنة مقر أمانته العامة فقد لعبت دور الوسيط بدل أن
تكون في مقدمة جبهة المواجهة ؛ فكانت النتيجة هي حدوث الغزو الذي كان
كارثة سياسية واقتصادية على السعودية ذاتها أكثر منه على الكويت !!!

    صدام حسين لم يكن يحترم العقول العراقية المبدعة وهذا شأن كل
دكتاتور مستبد ، ولو أنه استشارها لكان من الممكن أن يسمع منها رأي غير
الغزو والاحتلال ؛ فمثلا كان بإمكان صدام عبر الانتهازية السياسية أن
يستغل حالة توتر العلاقات الكويتية مع السعودية وإيران ليدعو الكويت إلى
الانضمام لمجلس التعاون العربي بدل مصر ليجعل من البلد الصغير الضعيف
حديقة خلفية له دون أن يرسل إليها جنديا واحدا ، لكنه الحمق والرعونة
والطمع هو ذلك الذي ساق صدام إلى حفرة الكويت يوم 2/8/1990 م ليكون ذلك
اليوم هو التاريخ الحقيقي لسقوط بغداد وليس يوم 9/4/2003 م !!!

    في مقالنا القادم سنختم بإذن الله وقفاتنا في رحاب ذكرى الغزو العراقي .

ليست هناك تعليقات: