الأمثال الشعبية منها ما هو عُصارة تجارب حياة مَن أطلقوها لتسبح عبر السنين مع الأجيال ومنها ما ارتبط بِحَدث عام أو شخصي ومنها ما قد يكون جاء على سبيل الدعابة وتناقلته الأجيال استلطافًا لما فيه من دُعابة .
“ لِحْيَة اِحْشِمْها ولِحْيَة اِحْشِم نفسك عنها “ ، مثَلٌ شعبي شهير جدا يمثل عُصارة تجارب مَن أطلقه وهو يدعو إِلى إنزال الناس مَنازِلَهُم ؛ فمَن أثبت بِسُلوكِه وحسن أخلاقه استحقاقه للاحترام وجب تقديره فهو بذلك يكون صاحبَ اللِحْيَة التي يجب أن نَحْشِمَها بمعنى أن نحترم صاحبَها ، أما مَن كان سَيئَ الأخلاق وعديم الحياء ومُؤْذيا لخلق الله فعلينا تحاشيه أو مجاراته ليس احتراما له ولكن تقديرا لأنفسنا كي لا يَنالُها شرَه .
العجيب أن هناك نقطة اِلْتقاء في الحالتَين اللتَين تحدث عنهما صاحب المَثَلِ ومُفادها عدم المزاحمة والمُصادَمة ، فمَن نَحْشِمُه لا نُزاحِمُه باعتباره أهلا لأن يملأ الساحة ومَن نَحْشِم أنفسنا عَنْه لا نُصادِمُه كي لا يَفْضَحَنا فنَتْرُك بذلك له المجال كي يقول ما يَشاء ويفعل ما يُريد !
بالتأكيد لم يقصد صاحب المَثَلِ تكريم الحالة الثانية وإنما رمى إِلى حماية أنفسنا من أذى أراذل البشر ، لكن الأمور جرت مع الزمن على غير ما أراد قائل المَثَلِ ؛ اللحى التي تجب حِشْمَتُها صارت مع بقية الناس تَحْشِم نفسَها عن أصحاب اللحى العفنة والذين صاروا مع مرور الزمن أصحاب الصوت العالي والبارزين في المجتمعات ، بل إن كثيرا منهم أصْبَح مَحسوبًا على مَن يستحقون الحِشْمَة وصارت الأمثال تُضْرَب بِتَمَيُّزِهِم وطيب أفعالهم وغدت مُصادَمَتُهُم عيبا ليس من باب حِشْمَةِ النفس عَنْهم وإنما من باب إكرامهم وتقديرهم ، فصارت الساحة خالية للأراذِل من البشر وصار الأفاضل يختَفون عن البروز فيها بل وصار بعضهم يساهم في تقدير أصحاب اللحى العفنة !
لَو كان صاحب المَثَلِ حيا بيننا اليوم لَتراجَع عن مَقُولَتِه وقال : “ لِحْيَة اِحْشِمْها واحْشِم نفسك معها ولِحْيَة اِتْفِل عليها وعلى مَن حَشَمْها “ ، والكرامة والحشيمة لكل مَن قرأ هذه السطور .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق