حين تلقيتُ خبر تفجير مسجد الإمام الصادق ظهر الجمعة التاسع من
رمضان الماضي كان موقفي الفوري رفض هذا العمل الجبان ، ولسنا بحاجة لأن
نعيد ونزيد في هذه القصة فقد حسم الكويتيون مجتمعين موقفهم إزاءها وعلى
رأسهم سمو الأمير رعاه الله .
ثَمَّةَ أمر خطر لي وأنا أستعيد لحظة صدمتي بتلقي خبر هذا العمل
الجبان الذي لا يمكن أن يُمحَىْ من الذاكرة ؛ حيث إنني حين تلقيتُ ذلك
الخبر رفضتُ الجريمة النكراء لأسباب أربعة ، ثالث هذه الأسباب هو الشعور
بالتعاطف مع أهالي الشهداء وكذلك الجرحى وعوائلهم فنحن نتعاطف مع كل ضحية
بريءة في كل بقعة من المعمورة وطبعا مِن باب أَولى أن نتعاطف مع مثل هكذا
ضحية حينما تكون شريكة وطن ودين ، ورابع تلك الأسباب هو الخشية على
وحدتنا الوطنية والتي هي أهم جدار نحتمي به في بلادنا بعد حفظ ربنا
سبحانه وتعالى !
اللافت أن السببين آنفي الذكر رغم أهميتهما لم يكونا في مقدمة
أسباب رفضي للتفجير الإرهابي الجبان ، فأول سبب دفعني لهذا الرفض هو
موقفي المبدئي الثابت المبني على حرمة إزهاق كل روح بريئة بأي حال من
الأحوال ، فأنا حينما يأتيني خبر قتل أبرياء فإنني لا أنتظر معرفة هوية
القتلة أو ماهية الضحايا وإنما أرفض العمل الخسيس فورا قبل إذاعة أي أمور
تفصيلية تخص الجريمة ؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر كنتُ شخصيا أرفض
الأعمال الجبانة التي كانت ترتكبها بعض الفصائل الفلسطينية عندما تقتل
أبرياء اليهود في محطات الباصات أو الأسواق رغم أن إسرائيل كيان مسخ زُرع
في فلسطين واحتل أرضها ، نعم ؛ فليس كل يهودي هاجر إلى فلسطين المحتلة أو
هُجِّرَ إليها يجوز قتله ؛ فقتل الجنود مقبول وقتل الإرهابيين المنتمين
لجماعات مثل الهاجانا أيضا مقبول ؛ لكن أن يُقْتَلَ يهودي مدني فقط لأنه
هاجر إلى فلسطين أو هُجِّرَ إليها فهو ما لا أقبله وفق مبادئي الثابتة ،
وعلى فكرة فإن جزء من اليهود المهجرين إلى فلسطين المحتلة كان أجدادهم
شركاء لأجدادنا في الوطن ؛ وحينها لم يسجل تاريخ الكويت على هؤلاء
الشركاء أي تجاوزات بحق المسلمين سنة أو شيعة ولا بحق الأقلية المسيحية
ولم يعرف تاريخ بلادنا أي عمل إرهابي لمواطن يهودي ، فلماذا أقبل اليوم
إراقة دماء المسالمين منهم دون مسوغ ؟ ، وبالطبع قياسا على المثال السابق
لا يمكن حتما أن أقبل قتل أي بريء في العالم أيًا كانت هويته وأيًا كانت
ماهية قتلته .
السبب الثاني الذي دفعني إلى رفض تفجير مسجد الإمام الصادق هو
أنني كنتُ شخصيا مستهدفا في ذلك التفجير الإجرامي ! ، نعم ؛ فالجهة التي
جندت شِرار خلق الله لينفذوا فعلتهم الدنيئة إنما أرادت إضرام نار فتنة
لو أنها اشتعلت لكنتُ شخصيا أحد ضحاياها إما بفعل هُنا أو ردة فعل هناك ،
لذلك فإن ميزاني ثابت ومسطرتي واحدة إزاء كل جهة تستهدف وطني سواء بأعمال
تمت على الأرض أو بمخططات تم إحباطها ، وكل مَن يستهدف الكويت فإنه عدو
لي بغض النظر عن منطلقاته الظاهرة والباطنة أو الجهات التي جندته للتآمر
على بلد الخير والأمان وأهله المسالمين .
إنني أومن بأن التعامل الحازم وفق ميزان ثابت تجاه كل عمل إرهابي
أو مخطط إجرامي ضد الكويت ليس مجرد وجهة نظر أو فكرة ورأي وإنما هو موقف
لا بد أن يتبناه كل كويتي بوضوح وصوتٍ عالٍ ، أما إذا انقسمت مواقفنا
إزاء تهديد أمن وطننا وأصبح كل منا يتبنى تزكية طائفته أو فئته أو قبيلته
فعلى الكويت السلام ، وقتها سيستقل الموسرون من عِلية القوم طائراتهم إلى
حيث قصورهم وأموال السحت التي كدسوها في عواصم دول العالم الأول ويتركوا
الكويت تحترق بالنار التي أشعلناها فقط لأننا لم نتفق على موقف مبدئي
ثابت في مواجهة كل مَن يستهدف أمن بلدنا !
على فكرة : مسألة تزكية كل منا لبني قومه وإلصاق كل الرزايا
بالآخرين يمثل منتهى الغباء ؛ فالمنطق يقضي بأن كل طائفة أو فئة أو قبيلة
بل وحتى كل بيت يوجد به الطيب والخبيث وينتمي إليه الصالح والطالح ، لذلك
فإن تعيير كل طرف للآخر بمَن ينتمي إليه مِن مجرمين يجعل المجتمع كله
بالضرورة مجرما ، لذلك فالموقف الصحيح يفرض على الجميع التكاتف لمحاربة
الإرهاب في أي مربع وجد وتجفيف منابعه الفكرية قبل المالية أيًا كانت
مصادرها ، وما لم نتخذ هذا الموقف الصارم الواضح فإن مصيرنا سيكون تبادل
عمليات التفجير والخطف والقتل على الهوية وهذا ما لا يمكن أن أتخيل حصوله
في بلدي في حياتي ولا بعد مماتي .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق