في الثاني من نوفمبر عام 1917 م أصدرت بريطانيا ممثلة بوزير
خارجيتها الهالك بلفور وعدها المشؤوم للصهاينة والقاضي بمنحهم ما
اِدُّعِيَ أنه وطن قومي لليهود في فلسطين ، وكان هذا الوعد هو أقبح وعد
في تاريخ البشرية إذ كان منحة ممَن لا يملك لمَن لا يستحق ؛ لكنه منطق
القوة والغطرسة !
أعطى الإنجليز وعدهم المشؤوم للصهاينة وليس لليهود ؛ فاليهود
كانوا قبل ذلك الوعد جزءً أصيلا من ديمغرافيا الشرق الأوسط ، وقبل قيام
الكيان الصهيوني كان اليهودي في كل أرجاء المنطقة آمنًا على نفسه وماله
وعرضه ولم يكن أحد يفكر بقتله لمجرد كونه يهوديا ، ولأن مبررات اصطناع
الكيان الصهيوني لم تكن أخلاقية بالمرة فقد رُبِطَ قيام ما تسمى دولة
إسرائيل بفكرة يهودية الدولة ( الدولة الدينية ) ، ولقد كانت وما تزال
رعاية الغرب بقيادة أمريكا للكيان الصهيوني القائم على مبدأ الدولة
الدينية يمثل أحط مظاهر تناقض الغرب الذي يدعي العلمانية والمدنية بينما
يرعى بكل إمكاناته ما تسمى دولة إسرائيل ويطالب العالم كله بالإقرار
بيهوديتها !
فكرة الدولة الدينية لم تكن مقنعة لأحد من أهل الشرق الأوسط بما
في ذلك اليهود أنفسهم ، لذا فقد عمد الغرب إلى نشر الطائفية المقيتة عمدا
في منطقتنا المنكوبة باستعماره القديم والجديد ، وكانت أولى النقاط
الضعيفة في تاريخ العرب المعاصر هي لبنان والتي ابتدع الفرنسيون لها أبشع
دستور في العالم هذا إن جاز لنا اعتبار الترتيبات السياسية في لبنان
دستورا أصلا !
وُزعت المناصب العُليا في لبنان على أساس طائفي مقيت وتم رعاية
مجموعة عوائل من كل طائفة حتى تكون تلك الأسر الواجهة التي يجري عن
طريقها تصوير الشعب اللبناني وكأنه كله قابل بهذه الترتيبات ، فكانت
النتيجة الطبيعية لما يسمى الدستور اللبناني هي انقسام اللبنانيين إلى حد
الاقتتال الذي رعته رموز الأسر الأرستقراطية الذين أصبحوا أمراء حرب ؛
فتحول ما قالت عنه فيروز أنه بلد العيد إلى ساحة للتنافس القذر بين القوى
الإقليمية الكبرى برعاية القوى الدولية الكبرى وصولا بالحالة اللبنانية
إلى عجز كيانها السياسي عن انتخاب رئيس له فقط لأن إيران والسعودية
باتتَا على شَفَا تصادم مباشر بعد سنوات طويلة من حرب الوكالة التي
أدارها حكام الرياض وطهران عبر الشرق الأوسط ، فهذه هي الطائفية السياسية
وهذه هي نتيجتها !
ومع محاولات متفرقة هنا وهُناك عمدت الأصابع الاستخباراتية
القذرة من خلالها إلى تأجيج المشاعر الطائفية برزت للأمريكان نقطة تحدٍ
قوية ضد مشروعها لنشر النفس الطائفي في المنطقة وأعني بها العراق ؛ ذلك
البلد الذي كان إلى وقت قريب يمثل أنصع صور التسامح في المنطقة خاصة بين
الشيعة والسنة والذين لم ينصهروا مع بعضهم في أي بقعة كما حدث في العراق
الذي نُكِبَ بحكم العصابات التي كان أبرز رموزها صدام حسين حيث أتاحت
تصرفاته للأمريكان وحلفائهم الإنجليز تبرير عدوانهم الغاشم على ذلك البلد
عام 2003 م حيث تم غزوه واحتلاله خارج إطار الشرعية الدولية !
فرض الاحتلال الأمريكي بقيادة بريمر ومعاونة المرتزقة من
العراقيين على شعب العراق نظاما سياسيا طائفيا يشبه تماما ما فرضه
الفرنسيون في لبنان بذريعة أن هذه هي رغبة العراقيين وهذا هو التوزيع
العادل لحصص النفوذ السياسي بين مكوناته ، وبالتوازي مع ذلك فتح
الأمريكان باب العراق عمدا لعُتاة الإرهابيين الذين لم يكن أي منهم يتجرأ
على تعدي خطوط حدوده قبل عدوان عام 2003 م رغم أن النظم السياسية
المتعاقبة على حكم العراق لم تكن تملك عُشر إمكانات المراقبة والضبط التي
يمتلكها الأمريكان مما يؤكد سوء نية المحتلين وتقصدهم نشر الطائفية ،
فوقعت الأحداث التي لا تخفى على أحد وصولا اليوم إلى التهديد الصريح
بتقسيم العراق على أساس طائفي وربط ذلك أيضا بتقسيم سوريا على ذات الأساس
مما يعني إعادة رسم خارطة جديدة للمنطقة لن تكون بالتأكيد مقتصرة على
الهلال الذي كان خصيبا في ظل ترهل أنظمة الحكم في دول محيطة بالبلدين وهو
ما ينذر بقرب سقوط تلك الدول وبالتالي الانتقال من مرحلة سايكس بيكو 1
إلى مرحلة سايكس بيكو 2 !
في وسط هذه الظُلمة الحالكة أُضيءت شمعتا أمل في بقعتين لم
يتوقعهما المخططون الاستراتيجيون في البيت الأسود وغيره ، هاتان
البُقعتان هُما بيروت وبغداد اللتين كانتا أكثر العواصم أنينًا من نيران
الكراهية الطائفية ؛ فقد وحدت الزبالة اللبنانية والفساد العراقي صفوف
الشعبين ليخرجا إلى شوارع بغداد وبيروت في وقت واحد ويُحملان الطائفية
السياسية وزر انتشار الفساد وتراكم الزبالة !
" طلعت ريحتكم " هو الوسم الذي تداوله اللبنانيون عبر تويتر ليس
من باب إدانة شركات النظافة وإنما ثورة على الطائفية السياسية التي تأكد
اللبنانيون أنها سبب علتهم ، أما في العراق فقد أسقط البغداديون كذبة
اللئيم بريمر حين ادعى أن الطائفية السياسية هي ما يريده العراقيون ؛ فها
هم أبناء العراق وبناته يخرجون صفا واحدا ليحملوا ذلك النفس الطائفي الذي
أتى به المحتل مسؤولية ما وصلت إليه بلادهم ومطالبين بنظام سياسي مدني لا
مكان فيه للمحاصصة الطائفية .
اليوم تسقط على أرض العراق ولبنان المبررات التي سعى الغرب إلى
تسويق فكرة الدولة الدينية الصهيونية على أساسها ذلك لأن المطالبات
بالدولة المدنية التي تصدح بها حناجر الأحرار في بيروت وبغداد هي مطلب كل
بسطاء الناس في الشرق الأوسط بمَن فيهم اليهود أنفسهم والذين فقدوا
الأمان مع إعلان قيام الدولة العبرية في 15/5/1948 م .
شكرا من الأعماق لزبالة لبنان وفساد العراق الذَين بعثَا الأمل
في نفوسنا لإمكانية تصحيح أوضاع المنطقة ومعالجة مخلفات الزبالة
الاستعمارية بشكليها القديم والجديد .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق