الخميس، 10 يناير 2019

شيوخ الخيبة يُزايدون على الصلاة !

        لا مجال للمزايدة على مكانة الصلاة وأهميتها في الإسلام فهي الركن الذي لا يسقط بأي حال ولا تغني عنه فدية طعام أو مال ، وهي كما وصفها رسول الله صلا الله عليه وآله وسلم بقوله : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمَن تركها فقد كفر " ، ووجوب تنشئة أولياء الأمور لأطفالهم عليها يبدأ حتى قبل بلوغ الطفل سن السابعة حيث يُفترض أن تتفتح مدارك الطفل في المجتمع المسلم على قوم يؤدون صلاتهم في وقتها ووفق مقتضياتها التي يجب أن تنهاهم عن الفحشاء والمنكر كما قال الله تعالى : " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " .

        حين بلوغ الطفل ذكرا كان أم أنثى السابعة تبدأ مرحلة الأمر التي وجهنا إليها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لِتستمر ثلاث سنوات بنص الحديث النبوي الشريف : " مُرُوْ أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر " ، والسنوات الثلاث بين السبع والعشر ليست كلها مجرد أمر شفوي لكنها تمثل قدوة فعلية يجب أن يجسدها الآباء والأمهات وعموم البالغين في المجتمع المسلم عبر أداء الصلاة ومن خلال التأدب بأخلاقها ، أما الضرب عند العشر فهو مقترن باقتراب الصبي من بلوغ التكليف الشرعي بل إن بعض الإِناث في حالات نادرة قد يبلغن التكليف الشرعي مع العشر أو قبلها بسنة .

        بعد البلوغ لم يرد نص شرعي يتحدث عن أمر أو ضرب وإنما عن أهل بيت مسلم يوقظ بعضهم بعضا للصلاة خاصة صلاة الفجر ، لكن حفنة من المتسربلين بلقب ( الشيخ ) ومَن ينقل هَرْطَقَاْتِهِمْ عبر وسائط التواصل ووسائله المختلفة يكيلون لأولياء أمور الطلبة الجامعيين أو طلبة المرحلة الثانوية تُهَمًا باطلة يزعمون فيها أن أولياء أمور الطلبة من الفئتَين المذكورتَين لا تهمهم الصلاة لأنهم يوقظون النائمين والنائمات من الأولاد والبنات لأداء الاختبارات بينما لا يوقظونهم لأداء الصلوات !

        ولأن اَلْدَّهْمَاْءَ من خلق الله مَهْوُوْسون بتجميد عقولهم وارتهانها لعُبَّاد الجنس والفِلْس فهم يتناقلون هذه اَلْتُهمة بطريقة فجة فيها توبيخ للناس وهز لثقتهم بأنفسهم بينما يغضون الطرف عن إهمال مطاوعة الفَلَس لبيوتهم وانتهازية مسلكهم في الماضي والحاضر إلا قلة ممَن رحم ربي !

        حقيقة المسألة هي أن ولي الأمر حين تعامله مع البالغين من أولاده وبناته فإنه يحسب أموره وفق مقتضيات مسؤوليات يجب التخفف منها تدريجيا وتسليم أمانتها للمعنيين بها وهم الذُريَّة ؛ ولأن تأخُر الذُريَّة في اجتياز متطلبات الدراسة يشكل ضررا على ولي الأمر فإنه يدفعهم دفعا للاهتمام بها بُغية تجاوزها تحت بند حسابات فرضتها أمور دنيوية مُحْدُثة لم تكن موجودة في أزمان السابقين الأولين الذين كان الواحد منهم يغدو مستقلا بمسؤوليته مع بلوغ الثانية عشر من عمره ، فولي الأمر هُنا يريد دفع ضرر عن نفسه لا تقديم أهمية الدراسة على أهمية الصلاة كما يزعم مَن يروج لهذه الفِرْية الباطلة ؛ فمقتضيات الدراسة وانعكاس اجتيازها من عدمه شأن مشترك بين أولياء الأمور وذراريهم أما أداء الصلاة لوقتها ووفق مقتضياتها بالنسبة لكل باْلِغ فإنه شأنه هو ويُفترَض أنه قد علِم أن صلاح أمره كله مرهون بصلاح صَلاته لكن ولي الأمر غير مسؤول عن ملاحقة أولاده وبناته كما كان يفعل رجال ما تسمى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية سابقا في أيام قد أصبحت من الماضي ، فكفاكم هجوم على بسطاء الناس وتحقيرا لهم وَلْيَلْتَفِتْ كل منكم لشؤون بَيته لأن الله تعالى قد جعل المسؤولية علينا فردية حين قال : " كل اِمْرِئٍ بما كسب رهين " ، واعلمو أن الصلاة ليست محل مُزايَدة أو استشراف على الناس .

الخميس، 3 يناير 2019

القول الفصل في قضية إسقاط القروض

        من واقع خبرة متواضعة عبر المشاركة في حملة المطالبة بشراء المديونيات أواخر عام 2007 وبعد الوقوف على حقيقة الأمور بشأن القروض والمطالبة بإسقاطها وبناء على كوني مثل معظم الكويتيين مكبل بأعبائها سأسجل ما أرى أنه القول الفصل بشأن قضية إسقاط القروض .

أولا – من الناحية الشرعية حرمة الرِّبا ثابتة ثُبوتًا قطعيًّا والتوبة واجبة على مَن وقع فيه بناء على قول الله تعالى في سورة البقرة :
" يَا أَّيُهَا اّلَذِينَ آمَنُوا اّتَقُوا الّلَهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الّرِبَا أِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 278
 فَأِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الّلَهِ وَرَسُولِهِ؛ وَأِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ 279
 "
     هذا معناه أن مَن أراد الدخول على خط الحديث حول القضية شرعا فعليه المطالبة بوقف عمل البنوك الربوية في بلادنا فورا ثم إسقاط كافة الفوائد مع الإبقاء على أصول الديون ، ولأن المَدينين ( الغارمين ) يمثلون واحدا من مصارف الزكاة الثمانية فإنه يمكن إعطاء الزكاة لمَن يثبُت إعساره منهم ، أما السكوت عن عقود القروض الربوية التي توقعها البنوك بالعشرات أو المئات يوميا مع عملائها ثم الاندفاع خلف رغبات السلطة وإصدار فتاوى أو تسجيل مواقف رافضة لإسقاط القروض باسم الدين فليس من الدين في شيء وإنما هو تزلف واسترزاق طلَبا لأعراض دنيوية ، علما بأن اقتصاد الكويت كغيرها من الدول ذات الغالبية المسلمة من حيث عدد السكان ليس اقتصادا إسلاميا وأن مصطلح البنوك الإسلامية إنما ارتبط بمعطيات ما عُرِفَ بالصحوة الإسلامية أواخر سبعينيات القرن الماضي .

ثانيا – من الناحية القانونية فإن الاقتراض من البنوك المحليَّة مُتاح وفق قوانين البنك المركزي ولوائحه التي تغاضى عن تفعيلها لسنوات طويلة تمت فيها ممارسة عمليات غير قانونية مثل قروض البالون والقروض التضامنية والقروض ذات الفوائد المتحركة ، فكل ما بُنِيَ على الممارسات غير القانونية يجب تصحيحه ومعالجة ما ترتب عليه من أضرار مع الأخذ في الاعتبار أن العميل غير مُطالَب بمعرفة القوانين المصرفية لكنه مسؤول عن ننص العقد الذي قام بالتوقيع عليه ، فإن كان العقد موافِقا للقوانين المعمول بها فعلى المقترِض تحمل تبعات القرض الذي أخذه أما إن كان العقد مخالفا لقوانين البنك المركزي فإنه يتحمل مع البنك المخالف معالجة ما ترتب من أضرار على المقترضين نتيجة التجاوزات القانونية ، أما السبب الذي حدَاْ بالمستهلك للاقتراض فليس لأحد علاقة به سواء كان اضطرارا أَم سفهًا ذلك لأن سفَه المقترِض لا يبيح للبنك المقْرِض التعامل معه خارج إطار القانون ولا للبنك المركزي التغاضي عن البنك المُقْرِض ولا للمجتمع حرمانه من حقوقه القانونية .

ثالثا – من الناحية الأخلاقية تعتبر فكرة رفْض إسقاط القروض تحت بند : " أنا ما خذيت قرض شنو ذنبي وليش تطيح القروض عن غيري " ؛ شكلا قَبيحًا من أشكال الحسد وعدم حب الخير للغير وهو يعني ببساطة أن المجتمع منخور ولا توجد فيه مشاعر حب للقريب ولا الصَديق ولا الجار ولا زميل العمل ، وهذا خُلُقٌ ذميم وانحطاط يدل على سواد القلوب ولذلك فالاعتراض على إسقاط القروض بموجب هذه الفكرة الحقيرة مردود على أهله .

        هذا قولنا الذي نراه فصلا حول قضية إسقاط القروض ، والله الهادي والموفق إلى سواء السبيل .

السبت، 22 ديسمبر 2018

المجتمع والقانون بين دِيَاْثَةِ الرجال ونِفاق النساء !

        المقتضيات الشرعية في أحكام التعامل مع النساء الواردة في الكتاب والسنة غير قابلة للأخذ والرد شأنها شأن كل أحكام شرعنا الحنيف ، ومن تلك الأحكام ما يترتب على قول الله تعالى : " وَقَرْنَ فِيْ بُيُوْتِكُنَّ وَلَاْ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجَاْهِلِيَّةِ اَلْأُوْلَىْ " ، فمَن ارتضى حكم الله من النساء وأوليائهن فبِها ونعم أما مَن اختار طريقا آخر فعَليه أن يتحمل وِزْرَه في الآخرة ويقْبَل بمقتضيات ما ارتضاه في الدنيا .

        ما نشهده اليوم من دِيَاْثَةِ الرجال ونفاق النساء هو تحَدٍّ لأحكام الله برفضها كطريق ومنهج من ناحية ؛ ومن ناحية أخرى تملص قبيح من مقتضيات قوانين الدنيا وَمتطلبات مجتمعها ، فعلى سبيل المثال حين يراجع الواحد منا أي دائرة أو وزارة لإنجاز معاملة ما ويجد ازدحاما شديدا فإن الحريم يطالبْنَ بخصوصية غير مستحقة عبر تجاوز الدور حفاظا عليهن كما يزعمْنَ من مزاحمة الرجال بينما لو تولت أي منهن مسؤولية العمل لوجدناها تصرخ بأعلى صوتها مُطالِبةً المراجعين باحترام الدور ، والأدهى من ذلك وأمَرَّ منه هو أن بعض أشباه الرجال يحرضون نِساءَهم على القيام بالمراجعات بدلا منهم طمعا في تسريع إنجاز المعاملات !

        غير أن الأقبح من ذلك كله هو تحدي القانون تحت بند خصوصية المرأة ، فأيما امرأة يتم استيقافها عند نقطة تفتيش أمنية تطلب إثباتات سائقي المركبات وهوياتهم فإنها تتصرف بطريقة توحي وكأن رجل الأمن الذي استوقفها إنما يريد التحرش بها ؛ بل إنه حتى لو قام رجال الأمن بمهمة ضبط حفنة سافلة في شقة دعارة فإن العاهرات من الموجودات في الشقة يحذرن رجال الأمن من مجرد لَمْسِهن لأن مجرد لمس جسد المرأة يعطيها الحق في تسجيل قضية تحرش ! ، لذلك فإن النساء اللائي يرتكبن جرائم تستوجب الضبط والإحضار أو الراغبات في نقل المواد الممنوعة من مكان إلى آخر لديهن ما يشبه الحصانة التي تبيح لهن ارتكاب كل موبقة بينما يستوقف رجال الأمن الشبان الذكور فقط لمجرد أنهم موجودون عند فرع جمعية تعاونية في وقت متأخر من الليل !

        نفس المرأة التي تعتبر لمس رجل الأمن لها من وراء الملابس وهو يقوم بواجبه تحرشا جنسيا بها تذهب إلى طبيب أمراض النساء والولادة الرجل رغم وجود بدائل أكثر من كافية من الطبيبات من بنات جنسها بحجة أن الرجل أشطر ، ولأنه أشطر فهي تسمح له بعد إزالة الحواجز بتحسس أدق المواضع في جسدها وتشكره على هذا التحسس وذلك بمباركة ولِيِّها الدَيُّوْث !

        يا لها من مفارقات عجيبة فِعْلا تدل بكل وضوح على الدرجة التي بلغها ذكور مجتمعنا من دِيَاْثَةٍ وإناثُه من نفاق والضحية الدنيوية هو القانون وعدالته لكن الضحية يوم لا ينفع مال ولا بنون هو المجتمع الذي ارتضى الدياثة والنفاق .

الخميس، 6 ديسمبر 2018

المجتمع واعٍ بقضايا المعاقين فكفانا استعراضا !

        باسم توعية المجتمعات بحقوق المعاقين واحتياجاتهم الخاصة تم افتعال مناسبات بمسميات مختلفة واختلاق فعاليات يقتات من ورائها حفنة انتهازيين وانتهازيات من المعاقين أنفسهم ومن الذين يقدمون ذواتهم على أنهم مهتمون بشؤون ذوي الإعاقة ، وخذ تحت بند السذاجة تارة والدعاية الرخيصة تارة أخرى من تبرعات يقدمها ذلك البنك أو تلك الشركة أو أُلَئِكَ المحسنون تنتفخ بأموالها السحت جيوب مَن يتغنى بالطيبة الكاذبة ولم ولن يستفيد عامة المعاقين منها شيئا .

        المجتمع لا يحتاج توعية بقضايا ذوي الإعاقة ؛ فكل الناس على سبيل المثال لا الحصر يعرفون أن مواقف المعاقين الخاصة بالسيارات لا يجوز الوقوف فيها والدول تفرض غرامات مالية كعقوبة لمَن يوقف سيارته في مواقف المعاقين والذي ارتكب هذا الفعل القبيح قام به عامدا متعمدا لا عن عدم وعي ولكن عن قلة أدب وانحطاط أخلاق وضعف دين وعدم وجود هيبة للقانون ، فهل ستغير الاحتفالات والفعاليات التي يتم إنفاق كثير الجهد والمال عقلية شخص مثل هذا النذل السافل ؟ ، قطعا لا لأن المشكلة معه لا تكمن في قلة وعيه بقضايا ذوي الإعاقة وإنما في قلة أدبه ومثل هذا لا يُفترض دعوته لفعاليات واحتفالات وإنما يجب جَلْدُهُ بالسوط مئة جلدة كلما كرر مثل هذه الفعلة والتشهير به عبر نشر اسمه وصورته وتقديمه كشخص منبوذ اجتماعيا .

        مدير البنك الذي يمنع كفيف البصر من فتح حسابات أو استخراج بطاقات للصرف الآلي وفق رغبته وبناء على ما يعرضه الموظف المختص عليه من شروط هل يجهل أن ذلك الأعمى في كامل قواه العقلية ومسؤول عن تصرفاته ولا حاجة له بِمُعِيْنٍ يطلع على أسرار مصرفية لا يجوز للبنك أصلا كشفها لأحد غير العميل ؟ ؛ هل يخفاه أنه لهذا الأعمى أسرارا من حَقِّهِ أَلَّاْ يُطْلِعَ عليها غريبا ولا قريبا ؟ ، بالطبع لا ولكن هذا الذي درس وتخرج بالعافية لا يفقه أصول وواجبات عمله أساسا فعن أي توعية بقضايا المعاقين يمكن أن نتحدث معه بعدما تكررت مثل هذه المشاكل عبر عشرات السنين ووصلت إلى أعلى مستويات اتخاذ القرار ؟

        الأمثلة كثيرة يضيق عن حصرها هذا المقام ؛ لكن يكفينا القول بأنه منذ أن تفتحت مداركنا وفعاليات المعاقين ومناسباتهم لا تخرج عن استعراض مقرف لاستخدام جهاز أو عزف موسيقى أو ندوات يعاد فيها نفس الكلام ثم تنتهي الأمور إلى الحاجة لدعم مادي ، وكل الإشكالات التي ذكرناها وغيرها كثير ما تزال قائمة حتى في الدول التي سَنَّتْ قوانين لحقوق ذوي الإعاقة ، فلتُفرَض هيبة القانون وليُجبَر الناس بقوة تطبيقه على سلوك الصراط المستقيم وهذا ما نحتاجه فقط ، أما الوعي فإنه موجود لكنه يُضرَب بالجدار كل يوم بل كل دقيقة ليس في قضايا المعاقين فحسب وإنما في كل شؤون الحياة لأن مفهوم المواطَنة الحقة غير معمول به ولا موجود في أي بلد عربي ، فمفهوم المواطَنة الحقة يقتضي أن يستعيب المواطِن خرق القانون بينما نفخر نحن بأن فلان بيض الله وجهه قد وقع لنا على أوراق دفتر السيارة دون المرور بالفحص الفني أو وافق لنا على جزء من البناء المخالف في بيتنا ، بعد ذلك نأتي في اليوم الوطني لنهز الوسط راقصين على أنغام الأغاني والشيلات ونسبح بحمد الحاكم أبو المكرمات وراعي اليتامى والمعاقين وصاحب الأيادي السخية ونعتبر هذا التزلف هو عنوان المواطَنة الحقة ، فهل في مثل هذه الظروف ستنفع الفعاليات ولو حَسُنَتْ نوايا منظميها ؟

الاثنين، 3 ديسمبر 2018

معادلة موقف الكويتيين إزاء بوش الأب بين الوعي والوفاء

        حين غزت القوات العراقية الكويت عام 1990 كان واضحا أَلَّاْ أحد في العالم فضلا عن العرب يستطيع تحريرها بأقل قدر ممكن من الخسارة إلا الأمريكان ؛ هذا فضلا عن أن القِوى المُتأسلِمة بل وحتى اليسارية التي لم تكن تخفي تعاطفها مع الفرس المجوس إبان العدوان الإيراني على العراق والأمة العربية انقلبت فجأة وفي لحظة قدرية لِتَصْطَفَّ إلى جانب العراق عندما اعتدى على العرب بينما كانت تَشْتُمُ الرئيس الراحل صدام حسين ليل نهار يوم كان جيشه يدافع عن الأمة في معركة شريفة !

        كيفما كان الحال فعلى أرض الواقع تعرضت الكويت بلدا وشعبا لعُدوان بربري ظالم غير مبرَر وكانت وقفة الشهم فهد بن عبد العزيز وشعبه العزيز بَلْسَمًا داوى بعض جراح الكويتيين من أول لحظة ، فقد اتخذ رحِمَهُ الله قرارا خطيرا من الناحية الاقتصادية تم بموجبه احتساب الدينار الكويتي الذي انهار بانهيار دولته في غضون ساعات بعشرة ريالات سعودية وهو سعر لم يكن الدينار يستحق عُشْرَه على الأقل في الأسبوع الأول للاحتلال كما أنه سعر يقارب سعره الذي كان عليه قبل الحدث الجلل ؛ ولم يكن الملك فهد يرحمه الله يهدف من قراره هذا إلا لحفظ كرامة الكويتيين كي لا تغدو الأوراق النقدية في جيوبهم كأوراق الكلينيكس ، لكن السعودية لم تكن قادرة على تحرير الكويت أو أنها إن استطاعت فلم يكن ذلك ممكنا إلا بحرب مكلفة في أرواح البشر قبل خسارة المال .

        في ظل هذا الوضع العربي البائس كالعادة لم يكن هناك بد من الاستعانة بالأمريكان وفق منطق المصلحة المشتركة رغم علم الجميع بالجهد الاستخباري الأمريكي الذي زَيَّنَ لصدام اتخاذ قرار غزو الكويت بُغية تبرير التواجد العسكري الأمريكي المكثف والمباشر على شاطئ الخليج العربي وفي صحراء شبه جزيرة العرب ثم تدمير كيان الدولة العراقية من خلال استغلال ما اِجْتَمَع في صدام من حماقة ونذالة ، ولأن جورج بوش الأب الذي نفق قبل أيام كان رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية فقد ارتبط اسمه في ضمير الكويتيين باعتباره البطل المخلص الذي ختم به المخرج فيلمه الهندي ( الغزو العراقي للكويت ) !

        رغم علمنا بأن الذي جرى ما بين 2/8/1990 و 26_2_1991 لم يكن سِوى فيلم هندي ركيك الإخراج والسيناريو خطير النتائج والأهداف إلا أنه لم يكن أمام الكويتيين الذين طُرِد منهم من بلده مَن طُرِد وحُرِمَ منهم مَن صمد على أرضه مِن حياته التي اعتادها قبل الاحتلال العراقي سِوى الشعور بالامتنان تجاه أمريكا ورئيسها الذي لولا تلاقي مصلحة بلده مع مصلحة الكويت لَتَاْهَ شعبها في أرجاء المعمورة حتى يومنا هذا ، لكن هذا الشعور بالامتنان لم يصل بنا إلى حد السذاجة حيث أننا نعرف القصة كاملة في لُبِّها وإن كُنا نجهل تفاصيل التفاصيل فيها ، وليس هذا الإدراك حكرا على أصحاب فكر سياسي إسلامي أو بقايا أيتام التيار الناصري وإنما حتى بسطاء الناس كانوا يعرفون حقيقة المؤامرة الأمريكية ؛ ولا أدل على ذلك مِن مشهد في عمل مسرحي هابط من الناحية الفنية حضره أُناس معظمهم يعيشون ضحالة فكر بحيث لا يعرفون من الدنيا إلا الضحك لمجرد الضحك واللعب لمجرد اللعب ، في نهاية هذا المشهد قال بطل المسرحية التي تم عرضها بُعيد التحرير وجراح الكويتيين ما تزال ساخنة بأن المسألة مطبوخة فصفق له جمهوره مستحسِنا !

        أترككم في الختام مع هذا المشهد الذي يلخص موقف كل الكويتيين بكافة اتجاهاتهم ورغم اختلاف تفاصيل تعبيرهم عنه من جورج بوش الأب الذي انطفأت أنوار أبراج الكويت نصف ساعة حدادا على نفوقه .
رابط المشهد :

السبت، 27 أكتوبر 2018

رسالة ابن سلمان بين نظرة التفاؤل وضرورة التفعيل والتفاعل

        سحابة الأزمة الخليجية الحالية داكنة طويلة الأمد أبرقت وأرعدت ثم أمطرت وسائل الإعلام بشقيه التقليدي والجديد بأقبح صور التراشق في تاريخ الخلافات العربية العربية ، لكن الأخطر في تداعياتها هو تأثيرها السلْبي على اقتصاديات دول المنطقة كافة .

        منذ اللحظة الأولى لانطلاق شرارة هذه الأزمة ونحن نعلم أنها غير تقليدية وأنها لا يمكن أن تحل بحب الخُشوم لأنها حصيلة تراكمات سنين أعقبت مباشرة النتيجة الأخطر لفشل ما كان يعرف بمجلس التعاون الخليجي في معالجة كارثة احتلال الكويت وأعني بها التواجد الأمريكي المباشر على البر الخليجي وتعاظم دور الكيان الفارسي المسمى إيران في المنطقة ، فلقد كانت حادثة الخفوس عام 1992 أول إشارة على تبدل الصورة النمطية للوضع السياسي الذي كان قائما بين دول الخليج العربية قبل عام 1990 حين كان الراحل سعود الفيصل يرحمه الله يتفاوض مع القوى الدولية باعتباره وزير خارجية كل تلك الدول وليس السعودية فحسب ، وما بين واقعة الخفوس وما نشهده اليوم حدثت أمور وأمور لم تكن قطر عنوانها الوحيد وأن كان هو الأبرز في عناوين مجريات ما حدث وصولا إلى الأزمة الخليجية الحالية المرشحة لإفراز أزمة أخرى ما لم يتم احتواؤها .

        أيًا كان مقصد الأمير محمد بن سلمان حين جاء على ذكر قطر ضمن الدول ذات الاقتصاديات المتطورة ونظرته التفاؤلية لمستقبل المنطقة فإن تصفيق الحضور له حين ذكر قطر رغم الخلاف يؤكد أن كوامن نفوس أهل الخليج العربي وعموم شرفاء العرب من مشرق وطننا العربي إلى مغربه تتلمس أي بارقة أمل لإنهاء هذه الأزمة ، وحدهم المرتزقة الذين اقتاتوا على تبعات خلاف أبناء العم هم الذين لا يريدون انقشاع السحابة السوداء التي أتخمت جيوب بعضهم بأموال سحت ومنحت آخرين شهرة غير مستحقة ، لذلك تجب قراءة رسالة كلمة ابن سلمان وينبغي فهمها من خلال ما عبَّر عنه تفاعل الحضور بالتصفيق من مشاعر مفادها الرغبة في إزالة سحابة الشر السوداء من فوق خليجنا العربي قبل أن تُفرِّخ سحبا أخرى وليس من خلال تحليلات المرتزقة الذين يتحدث بعضهم عن مغازلة سعودية لقطر باعتبار المملكة في موقف ضعف كما يظنون وبعضهم الآخر يتحدث عن ضعف الموقف القطري نتيجة تغليب الحليف التركي غير الأمين لمصالحه مع السعودية على مقتضيات زواج المتعة مع قطر !

        المطالبة باعتذار خصوم قطر لها غير منطقية لأن جزيرتها آذت بلسانها الحاد دول حصار أو مقاطعة الدوحة وغيرها من الدول كما أن تمسك خصوم قطر بالشروط الثلاثة عشر وفق الصيغة التي تم إعلانها مع بداية الأزمة غير واقعي وغير منصف لأن الدول لا تقبل صيغة الإملاءات في علاقاتها السياسية ، فالحل هو الحوار بملاءة شعبية حيث يجب أن يتم فورا وقف الحملات الإعلامية المتبادلة بين فرقاء الأزمة واستبدالها بحديث حول انعكاساتها السلْبية على دولنا اقتصاديا واجتماعيا وإبراز وجوه عربية خليجية من أهل المنطقة لتتبنى هذا الطرح وتضيف إليه المكاسب المرجوة من انقشاع السحابة السوداء ، وفي ظل هذه الأجواء يتفاوض القادة بشأن بناء أسس صحيحة للعلاقات البينية الخليجية ويتوقف اَلدَّهْماء عن التشاتم عبر ما تسمى وسائل التواصل الاجتماعي ، أما الأطراف غير الخليجية وأولها مصر فيجب إرساء أساس لعلاقة خليجية مشتركة معها بناء على عدم التدخل في الشؤون الداخلية أو العلاقات الإقليمية لأي من الدول والتعاون المثمر في مجال الاقتصاد من خلال استثمار تستفيد منه الشعوب لا هِبَاْتٍ تسرقها العصابات ، أما جماعات الإسلام السياسي وأولها الإخوان فيجب إقصاؤها عن المشهد فورا واجتثاث أفكارها الضالة التي اِسْتَشْرَتْ في مجتمعنا الخليجي لصالح تعزيز الولاء للأوطان ورموزها ؛ ويجب على تلك الرموز أن تتعامل مع مسؤولياتها تجاه بلدانها كقادة دول لا كرؤساء مجالس إدارات شركات غاز وبِتْرول .

        هذا هو الإطار العام الذي يمكن من خلاله حل الأزمة الخليجية وتفادي أزمات غيرها في المستقبل انطلاقا من الرسالة التي وصلتنا من ابن سلمان بغض النظر عن تفاصيل ما قصده سموه الكريم .

الجمعة، 12 أكتوبر 2018

رسالة الملك فهد من زمن الهيبة إلى زمن الخيبة ، درس في كيفية توظيف المرتزقة !

        في ثمانينيات القرن الماضي وعلى خلفية عدوانها على العرب وظفت إيران حفنة مجرمة من أذنابها للقيام بأعمال إرهابية بلغت ذروتها قُبيل الغزو العراقي للكويت والذي كان نظام الملالي أول المستفيدين منه ، فقد قامت شرذمة من حملة الجنسية الكويتية بتفجير إجرامي قرب الحرَم المكي الشريف في موسم حج عام 1409 هجري والذي وافق صيف العام 1989 للميلاد ، وبحمد الله تمكنت السلطات الأمنية السعودية من ضبط الجُناة ونفذت حكم الله فيهم حين تم إعدام 16 منهم وسجن 4 .

        إلى هنا والأمر عادي من حيث مُجْرَياته أَمنيًّا لا من حيث شَناعة فِعْل المجرمِين ، لكن تداعيات هذا الحدث الخطير بما حملته من تقديرات خائبة من طرف وَرَدِّ فِعْل غير متزن من طرف آخر تسببت فيما يمكن اعتباره وقفة نفس في العلاقات السعودية الكويتية تم معها فتح ملفات ليست في أصلها ذات علاقة بالجريمة النكراء ، ولن نتحدث عن تفاصيل مظاهر وقفة النفس هذه نظرا لما تقتضيه المصلَحة العليا للأمة ؛ لكن بعد بيان وزارة الداخلية السعودية الذي أَعلَنت فيه تنفيذ الأحكام العادلة حاولت أصوات خائبة في الكويت ربط ما حصل بالكرامة الوطنية خاصة في ظل صمت حكومي مُطْبِق ، فتبدت في هذا الموقف حِكْمة الملِك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله والذي كان مُتابعا دقيقا لوسائل الإعلام ومهتما بتفاصيل ما تورده كما شهد بذلك وزراء الإعلام الذين تعاملوا معه ، ولأن الملِك فهد يرحمه الله كان مؤمنا بأن أي خلاف بَيني خليجي يجب أن يظل في أضيق الحدود فقد تحرك يرحمه الله بسرعة وهو يتابع الوضع داخل الكويت عن كثب ؛ فقام بعملية توظيف احترافية للمرتزقة والذين لا يمكن أن يخلو عالم السياسة منهم سواء في جانبه الإعلامي أو بقية الجوانب ، فقد رتب رحمة الله عليه لقاء مع رئيسة تحرير مجلة المجالس الكويتية هداية سلطان السالم يرحمها الله وكلف أحمد الجار الله رئيس تحرير جريدة السياسة الكويتية جنسية والسعودية توجيها بنشر هذا اللقاء الذي كانت أبرز نقاطه هي :
1 – إن الجهة التي نفذت التفجيرات في مكة هي ذاتها التي قامت بعمليات إرهابية ضد الكويت نفسها .
2 – لقد قام بعض حملة الجنسية السعودية من المنتمين لهذه الفئة الضالة بأعمال تفجيرات استهدفت منشآت نفطية وتم إعدامهم .
3 – لو أن مواطنين سعوديين عبِثوا بأمن الكويت لكانت المملكة العربية السعودية أول مَن يطالب بمعاقبتهم وفق القانون الكويتي .

        بعد هذا اللقاء لم يفتح أي من الخائبين الكويتيين فمه ببنت شفة لكن وقفة النفس في العلاقة السعودية الكويتية ظلت مستمرة حتى أنهاها صدام حسين لكن بفعل إجرامي لا بوساطة أخوية عبر غزوه واحتلاله للكويت والذي كانت لوقفة الملِك فهد وعباراته الخالدة أبلغ الأثر في تضميد جراح الكويتيين إلى أن عادت لهم بلدهم ليُديرو شؤونها دون مِنَّة أو تدخل من الجار الجنوبي الحازم الحكيم والذي مارس دور بلده دون أن يحتاج لأراذل البشر كي يبيعو عبارات تمجيد متزلفة قميئة تتفوه بها حفنة من مدفوعي الأجر وهواتف العملة !

        هكذا وظف الملِك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله المرتزقة لمصلحة بلده وأمته بما يحفظ أمنها ولا يشحن مشاعر أبنائها بالكراهية تجاه بعضهم البعض ، فشتان بين احترافية الملِك فهد وإعلامه في زمن الهيبة وبين الخطاب الإعلامي المنحط الذي تتبناه أطراف الأزمة الخليجية الحالية في زمن الخيبة .