المعاق ذكرا كان أم أنثى يحمل ذات المشاعر تجاه الجنس الآخر من حيث الميل الغريزي الذي
أوجده الله تعالى في بني البشر ، وهو أيضا يحمل ذات الرغبة في تكوين الأسرة وحب الأطفال
وإن كان ذوو الإعاقة العقلية قد لا يدركون البُعد الاجتماعي والنفسي لهذه المسألة أُسْوَةً بذوي الإعاقتين البصرية والحركية الذين لا تختلف مشاعرهم في ذلك الجانب المهم من الحياة
الإنسانية عن بقية البشر .
بناء الأسرة ثم تحقيق الأمن النفسي والاجتماعي الناتج عن بنائها لا يتم إلا بالزواج
وهو حاجة لكل ذكر وأنثى ، وربنا سبحانه وتعالى ميزنا كمسلمين بإن جعل الزواج يتم ضمن
إطار طاهر نظيف يحفظ الفرد والمجتمع ويكفل للجميع كافة الحقوق المرتبطة به كما يكلفهم
بكافة الواجبات .
كل ما ذكرناه معلوم وواضح، لكن ثَمَّةَ سؤال مهم يطرح نفسه : هل يمكننا أن ننصح فتاة
غير معاقة أن توافق على الزواج بشاب معاق تقدم لخطبتها ابتغاء الأجر من الله؟ ، وبالتأكيد
فإن السؤال نفسه يتكرر بصيغة أخرى: هل يمكننا أن ننصح شابا غير معاق بالزواج من فتاة
معاقة ابتغاء الأجر من الله ؟
سؤال أرى شخصيا أنه قد يهز كيان مَن يقرؤه، فمِن القراء مَن قد تأخذه العاطفة ليقول : " نعم الزواج بفتاة معاقة أو شاب معاق فيه أجر وننصح به " ، ومِن القراء مَن قد يدخل في
صراع نفسي بين واقعية التفكير والحس العاطفي المرهف ولا يمكنه التعبير عما يجيش في نفسه ،
ونحن سنتناول الموضوع من جوانبه المختلفة بما نظن أنه طرح عقلاني والله أعلم :
أولا - الإسلام دين واقعي وليس دين دروشة كما قد يظن البعض، وكل علاقة بين طرفين أيًا
كانا يُفترض فيها أن تحقق حاجات كل طرف ، والحاجات قد تكون متماثلة وقد تكون مختلفة ؛ ففي حالة قيام الشخص غير المعاق بمساعدة المعاق كأن يعين كفيفا على عبور الشارع أو يساعد
مقعدا في تحريك كرسيه فإن العلاقة بين الطرفين تكون مبنية على أساس تلبية حاجات مختلفة لأن حاجة الكفيف أو المقعد هي حاجة مادية أما الحاجة التي لباها الطرف المقابل لذاته
حين ساعد الكفيف أو المقعد فإنها حاجة روحية أو على الأقل قيمية يتبناها ويشبع ذاته
المتسامية من خلال ما قام به ، وفي هذه الحالة فإن مساعدة المعاق يكون فيها أجر مؤكد
إن شاء الله ومَن ينصح غيره بمثل هذه الأعمال ابتغاء الأجر فهو على حق، أما في حالة
وجود علاقة بين طرفين تكون فيها حاجاتهما متماثلة فالوضع يختلف؛ والزواج هو أبرز أمثلة
هذا النمط من العلاقة إذ أن تحقيق الأمان النفسي والاستمتاع الجنسي تعد حاجات لطرفي
العلاقة والإعاقة لدى أحد الطرفين قد يكون لها تأثير ربما يمنعه من تلبية حاجة الطرف
الآخر كما يريدها ، على سبيل المثال فإن الكفيف الكلي لا يستطيع تلبية حاجة نفسية لزوجته
من خلال النظرات التي تشعرها بأنها مرغوبة كأنثى ؛ وهذه الحاجة قد يستهين بها الكثيرون
لكن الحقيقة الواقعة تقول بأن إهمال معظم مَن كُنا نظنهم رجالا لتلبية هذه الحاجة لدى
زوجاتهم يعد من أهم عوامل رواج تجارة عمليات التجميل خاصة وأن بعض أشباه الرجال يتقصد
مقارنة زوجته بالنساء اللاتي يشاهدهن في التلفاز أو حتى في الأماكن العامة ويؤذيها بهذا
السلوك ويجرح أنوثتها، لذلك وغيره من الأسباب لا يصح أن ننصح فتاة بالارتباط بشاب معاق
أو شابا بالارتباط بفتاة معاقة ابتغاء الأجر لأن ذلك غير واقعي، ويجب أن تكون هناك قناعة
باتخاذ قرار الزواج وأنه سيلبي الحاجات المطلوبة منه .
ثانيا – ما ذكرناه من طرح واقعي لمسألة زواج الأسوياء بالمعاقين لا يجوز فهمه على أنه قتل لآمال المعاقين أو استهانة بشخصياتهم كأزواج أو زوجات ، فالقناعة التي قد تدفع فتاة للارتباط بشاب أو شابا لخطبة فتاة تؤثر فيها عدة عوامل وليس الحاجات الحسية المجردة فقط ، فالتشارك بالاهتمامات ربما يكون سببا يجذب فتاة غير معاقة نحو شاب معاق وربما تكون صفات إيجابية في سلوك شابة معاقة دافعا لشاب غير معاق كي يتقدم لخطبتها ، هذا بالإضافة لحسابات شخصية أو اجتماعية قد تؤثر في اتخاذ قرار الزواج برجل معاق أو امرأة معاقة ؛ لكن ما قصدناه هو ألا نحث طرفا غير معاق لاتخاذ قرار الزواج بطرف معاق من أجل الأجر لأن مثل هذه الفكرة ليست واقعية إلا في حالة واحدة وهي أن يقدم رجل غير معاق على الزواج بامرأة معاقة وذلك لأمرين : الأول هو أن تعدد الزوجات مباح للرجال ؛ فالرجل المتزوج يمكنه إن كان صاحب شهامة أن يتزوج بامرأة أخرى معاقة قد تكون قريبة أو جارة أو حتى زميلة عمل بُغية الإحسان إليها وسترها ، أما الأمر الثاني فإنه يكمن في كون الرجل غير المعاق المرتبط بامرأة معاقة لا يعاني كثيرا من إعاقة زوجته مثلما قد تعاني المرأة غير المعاقة من الشعور بما تحسه نقصا في زوجها ، فالرجل أقل حاجة من المرأة للنظرات التي تشعره بأنه مرغوب ؛ والرجل هو المعني فطريا بأن يشعر زوجته بالأمان وهذا ممكن جدا في حال ما إذا كانت الزوجة معاقة بينما تختلف الصورة في علاقة الزوجة غير المعاقة بالزوج المعاق ، لكن الثقافة الذكورية السائدة في مجتمعنا تصور أن زواج الرجل المعاق بامرأة غير معاقة أسهل من زواج المرأة المعاقة برجل غير معاق وهذا خلاف الشعور الفطري السوي لدى البشر !
ثالثا – في حال إتمام الزواج بين طرف معاق وآخر غير معاق بغض النظر عمَن فيهما الزوج أو الزوجة ينبغي على الطرف المعاق أن يعزز قابليته للتفاعل مع اهتمامات الشريك وحاجاته بحيث يكون في أقرب نقطة ممكنة إليه ، فمن غير المنطقي أن يصدع الطرف المعاق رأس شريكه ليل نهار بالحديث عن مشاكل المعاقين أو إنجازاتهم أو برامج الحاسوب للمكفوفين إلخ ، كما لا يصح أن يكون الطرف المعاق سلبيا في تفاعله مع الشريك بحيث لا يخرج معه في النزهات أو لا يسافر معه بل عليه أن يشعر شريكه بالاهتمام ؛ فعلى سبيل المثال على الزوج الكفيف إن ذهب إلى مراكز التسوق مع زوجته أن يشاركها الأخذ والرد بخصوص الحاجيات التي يريد الزوجان شرائها وألا يكون مجرد جسد يتحرك معها حتى لا تفقد الشعور بأهمية وجوده في حياتها .
رابعا – تنشئة المعاق منذ البداية في محيطه الأسري هي التي تحدد ملامح شخصيته ، فالمعاق الذي يعيش حالة العزل الأسري المقصود أو غير المقصود ستنشأ شخصيته في غالب الأحوال مضطربة وغير قادرة على التفاعل السليم مع الآخرين بمَن فيهم شريك الحياة المستقبلي ، أما المعاق الذي تحتضنه أسرته باعتباره طرف لا يقل أهمية عن بقية أفرادها لتشركه في مناسباتها وتصطحبه في روحاتها وغدواتها وتجعله طرفا فاعلا في اتخاذ قراراتها فإنه سيكون مشروع نجاح في كل علاقاته الإنسانية وعلى رأسها العلاقة الزوجية .
هذه هي قصة زواج المعاقين والمعاقات ؛ يمكن إخضاعها لحسابات تختلف من حالة إلى أخرى لكنها تظل في النهاية قرارا يجب اتخاذه بِتَرَوٍّ بعيدا عن الاندفاع العاطفي حتى ولو كانت المشاعر المُشفقة على الرجل المعاق أو المرأة المعقة نبيلة وسامية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق